اوراق منسية شركسية

مقدمة :
(( بسم الله الرحمن الرحيم ))
(( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ))(1)
منذ سنين طويلة تمتد إلى عهد الطفولة التي عشتها في الجولان الحبيب وأنا أستمع بشغف كبير عن المنجزات الخارقة للمجاهدين والمقاتلين الشراكسة في جيش الإنقاذ أولاً وفيما بعد كوكبة المغاوير (الكومندس) الشركسية في منطقة سمخ إبان المرحلة الأولى من معارك الرتل السوري في هذه المنطقة وفي المرحلة اللاحقة التي تم فيها إعادة تشكيل كتيبة الفرسان الشركسية(2) (وسميت بالكتيبة الشركسية الثانية ) كإحدى وحدات الجيش العربي السوري عام /1948م/ (في بداية الشهر السادس ) هذا الجيش المكافح على مدار التاريخ في سبيل الحق والحرية والعدالة ومنذ سنين طويلة وأنا مولع بالبحث ودراسة أية معلومة تتعلق بحرب العرب مع العصابات الصهيونية في عام /1948م/ وما قبلها وبعدها , وأصبح هذا البحث من هواجسي اليومية لفترات طويلة ولقد جمعت كمَّاً كبيراً مـن هذه المعلومات من شتى المصادر والمراجـع ومن شهود العيان قبل وفاتهم وعلى فترات كبيرة على أمل تأليف كتاب موضوعي وثائقي يعيد الأمور إلى نصابها والحقوق إلـى أصحابها تقديـراً لحق الذين قاتلوا بطريقة أسطوريـة , وضحـوا بحياتهم ورووا بدمائهـم الزكيـة الطاهرة تلك الأرض المقدسة , ومـن أجل أن لا ينسى أسماء شهدائنا ومناضلينا , كما حصل عندما تم تغيير اسم شارع الشهيد جـواد أنزور إلـى
شـارع جبران خليل جبران حيث أيدت إحدى الصحفيات هـذا التغيير قائلة : (( فبعض الأسماء القديمة هي لشخصيات غير عربية وربما من عهد الاستعمار مثال على ذلك شارع جواد أنزور فلا أحد يعرف من هو أنزور وما هي قصة جواده ))(1) .
قادتني قدماي يومها وأنا أرتدي الزي العسكري إلى مدير تلك الجريدة وقدمت له نفسي بالكنية الجديدة العقيد عدنان أنزور , فبادرني على الفور مبتسماً أظنك آت من أجل جواد أنزور , فقلت له إن هذا الشهيد بطل من أبطال الجيش العربي السوري , وهو من أعاد ورفاقه في الكتيبة الشركسية تل العزيزيات وغيرها من المواقع وهو من أبطالنا الشعبيين في الجولان وكل سورية لقد استغرب من يعرفه كيف تم تغيير اسم ذلك الشارع الصغير فقال لي غداً سوف ننشر توضيحاً وردنا من سيادة وزير الدفاع بهذا الخصوص , قلت له لا كلام لي بعد ذلك وشكرته وغادرته مودعاً(2)ً وفعلاً تم نشر ذلك التوضيح حيث قال سيادة وزير الدفاع إن جواد أنزور من شهداء وأبطال الجيش العربي السوري عام /1948م/ ..الخ .
وأعيدت تسمية ذلك الشارع كما كان , ولكني فوجئت مرة أخرى عندما سمعت أن ذلك تكرر في مكان آخر لنفس الشهيد ؟!
بعدها رأيت أن أسلط بعض الضوء على شهداء تلك المعارك المجيدة , وأن أنفض الغبار عن تلك الأسماء الخالدة (المنسيّة) على أمل أن أذكّر من نسي منا بعض ما يجب عليه أن لا ينساه أبداً وأن ينقله إلى الأجيال القادمة , رافعاً رأسه عالياً مفتخراً بما قدمه أجدادنا وآباؤنا من ضباط وصف ضباط وعناصر تلك الكتيبة الشركسية والمجاهدين في جيش الإنقاذ وغيره وأن يعرف بالسمع والقراءة محتوى هذه العجالة , عن منجزات المجاهدين الشركس في جيش الإنقاذ وغيره مثل كتيبة الفرسان الثانية الشركسية التي اجتمع فيها خيرة شبابنا الذين تنادوا لنجدة وحماية الوطن حيث قاتلوا في كل المعارك التي خاضها الجيش العربي السوري , بروح البذل والفداء وأظهروا بسالة نادرة وبطولة مثالية , وأبدوا فيه من ضروب التضحية والإيثار حيث أضحت شجاعتهم مضرباً للأمثال في تلك الأيام العصيبة وما بعدها(1) .
هذه الكتيبة التي وصفها الأديب الكبير الدكتور عبد السلام العجيلي , على لسان أحد قادة تلك الحرب المقدسة , بأنها كانت رأس حربة الجيش العربي السوري في عام /1948م/ وقال ذلك القائد(2) الكبير بالحرف الواحد (( كنا نسد بالكتيبة الشركسية كل ثُلمة تحدث في صفوفنا , فكان أفرادها يقومون بواجبهم على أكمل وجه ))
نعم لقد كان كل ذلك لأن للشهادة في سبيل الله والوطن عند الشراكسة كما هي عند إخوانهم العرب قيمة استثنائية ومعان سامية لا تضاهيها أية معان أخرى فنحن نعظم الشهداء لأنهم وهبوا أنفسهم وحياتهم للأمة كلها وتمنوا الموت صادقين ليبلغوا بأمتهم أسمى الأغراض التي تصبو إليها نفوسهم (( وكما هو معروف عن الشراكسة أنهم لا يلبسون السواد على شهدائهم ولا يبكونهم بل يخلدونهم في مراثي يتداولونها مشافهة جيلاً بعد جيل )) .
فالوطن تميته الدموع وتحييه الدماء وأبلغ تعبير عن الشهادة هو ما قاله الرئيس الخالد حافظ الأسد ( الشهداء أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر ).
هل يمكن أن ننسى شهداءنا في جيش الإنقاذ (وغيره) الذين سطروا بأعمالهم بطولات خارقة , لقد خُلدت أسماؤهم وأعمالهم البطولية في مبكاةٍ(1) يرددها صغارنا قبل كبارنا في كل مناسبة منذ عام /1948م/ وحتى الآن . وفي هذه المبكاة يتم وصف كل شهيد أثناء المعركة وكيفية استشهاده والطريقة التي كان يحارب بها العدو الصهيوني , والصفات الفردية التي كان يتميز بها وذلك جرياً على العادة القديمة عند الشراكسة في القفقاس .
وكم أتمنى أن تنحت أسماء شهدائنا على نصب تذكاري في مدخل مدينتنا المحررة القنيطرة الشهيدة الحيّة التي دمرها الصهاينة قبل انسحابهم منها عام /1974م/ , وأن تطلق أسماؤهم على شوارعها عند إعادة بنائها (بأقرب وقت ممكن ) أسوة بشوارع بقية المدن السورية .
لقد ضم الجيش العربي السوري في عام /1948م/ ومازالت تضم في مختلف قطعاتها ووحداتها المواطنين الشراكسة الذين اشتهروا في العالم على مدار التاريخ كمقاتلين من الطراز الأول ومدافعين عن الوطن مقدمين كل غالٍ ونفيس , ومضحين بالمهج والأرواح في سبيل عزة الوطن ووفاءً وعرفاناً بالجميل لهذا الوطن المقدس , الذي عاشوا فيه واحتضنهم منذ عام /1864م/ عندما هُجروا من وطنهم الأزلي شمال القفقاس , بعد حروب دامية استمرت قروناً عديدة مع القيصرية الروسية الباغية