شخصية المرأة الشركسية من وجهة نظر العلماء والمؤرخين والرحالة.

لم يكن (الرجل) الشركسي الوحيد الذي أشاد علماء الاجناس والرحالة والمؤرخون المختصون بالأقوام القديمة بصفاته القومية وخصائصه النفسية والاجتماعية والاخلاقية والجسمية، وإنما أيضا تغنّوا بأخلاق المرأة الشركسية وبجمالها وحيويتها وإخلاصها وتفانيها واعتدادها بنفسها واعتزازها بأنوثتها

وكان الفيلسوف الالماني المشهور والمختص بعلم دراسة الشعوب يوغان غوتفيلد غيردر من اوائل الذين كتبوا عن المرأة الشركسية، قائلاً: “… اما الشركسيات فالكل يعرف جمالهن ويقر لهن بجمال الحواجب السوداء الحريرية الدقيقة، وعيونهن السوداء التي تشع كالنار، وجباههن الناصعة الملساء، ووجوههن المدورة ذات الشفاه الناعمة… إنه لمن قبيل السعادة أن اوروبا ليست بعيدة عن هذا الجمال الاخاذ. إن الكثيرين من سكان اوروبا قد عاشوا في وقت من الاوقات بين مناطق البحر الاسود وبحر قزوين او عبروا من هناك، وعلى أية حال فإن الاوروبيين ليسوا بعيدين عن هؤلاء السكان..” .

كما وصفهن رحالة الماني آخر بقوله: “ان الناظر للفتاة الشركسية يجد روعة أجسادهن والليونة الفائقة لخصورهن.. كل الفتيات كن جميلات وبعضهن كن فائقات الجمال. أيديهن كانت رائعة الجمال ايضا. أما البريق الذي في أعينهن الواسعة المكحلة على الطريقة الشرقية فلا تستطيع ريشة أي رسام التعبير عنه. لقد رأيت الشركسيات عن قرب للمرة الاولى، واعترف أني وجدت فيهن كل ما قرأته وسمعته. أما شعورهن فكانت مقسمة إلى ثلاث ضفائر واحدة إلى الخلف واثنتان إلى الامام.

تصلان إلى الخصر المزين بأحزمة موشاة بالفضة، وأخيرا يلبسن في أقدامهن أحذية ذات الوان مختلفة”.

ويستطرد قائلا: “وكن يتمخترن في المعاطف الثمينة، وعليهن أحزمة مصنوعة من خيوط من شعر الماعز والغنم المذهب، إضافة إلى الاحذية الجميلة المطرزة… ومن مظاهر الجمال كانت القامة الفارعة المشدودة، والرقبة الطويلة الجميلة، إضافة إلى الخصر النحيل والاقدام والكفوف الصغيرة مع أصابع رقيقة واظافر طويلة، بياض في البشرة مع بعض الاحمرار الوردي، والجبين العالي والحواجب الضيقة والعيون البراقة الجميلة فاتحة اللون او لوزية غامقة مع أهداب كثيفة، اما الاسنان فصغيرة بيضاء ناصعة في فم ضيق.. وكان على الفتيات والنسوة ان يمشين بمنتهى الرشاقة والخفة والاناقة”.

واما الرحالة (دوبرو) فقال: “كانت الفتيات الشركسيات يتحدثن بكل تواضع واعتزاز، ولم يكن لجمالهن ما يشبهه منذ القدم وجوه في منتهى كمال التقاطيع، قامات ممشوقة، اياد واقدام صغيرة. لقد كانت حركاتهن ممتلئة بعزة النفس والثقة… إن كل من اتيح له ان يرى النساء الشركسيات سيقر بأنه يوجد بينهن من ذوات الجمال الذي لا يستطيع الناظر إليه إلا ان يبقى اسير هذا الانبهار” .
وتقول (مامخيغ) كان اهم متطلبات الجمال الانثوي الانثوي لدى الشركسيات “الشعر الكثيف الطويل الاسود او الكستنائي، حيث كان يجدل في ضفيرتين تمتدان على طول الظهر وتصلان احيانا إلى الركب، ويلاحظ ان ترك الشعر طليقا منسابا بدون ضفائر لم يكن مقبولا بل بالعكس كان مرفوضا، كما كان من قواعد الاتيكيت الشركسي بأن يكون الشعر طليقا، كذلك كان قص شعر الفتيات بمثابة اهانة لها ويعرض صاحبته للسخرية والانتقاد ويقول ((رستم)) ان المرأة الجركسية من احسن نساء العالم جمالا وكمالا، ولها في ذلك شهرة عالمية، وهي سيدة بيت من الطراز الاول، وموضع الاحترام عندهم مع تمتعها بحرية واسعة. وهي غير محجبة ولا تشترك في اعمال الحقل، وتستقبل الضيف في غياب رب البيت محافظة على الكرم وآداب اللياقة المقدسة عند الجراكسة ومن أمثالهم “إن بيتا لا سيدة فيه كحلا زرع فيه” وللسيدات المكان الاول في الاجتماعات وأكثر ما يغشين الحفلات وهن آنسات قبل الزواج، وان رجال الجنسيات الاخرى خصوصا كبار رجال الدول من قياصرة وسلاطين وامراء ورؤساء ووزراء ورجال العلم والمال تبحث بمختلف الطرق للتشرف قل بالنسب الجركسي عن طريق الزواج إذ يرون في ذلك رفع مكانتهم بين طبقاتهم، وتحسين نسلهم، وتهذيب نفوسهم وتنظيم حياتهم *.

وكذلك الكاتب الروسي كيراشييف، فيقول: “لم يتمن الشراكسة أكثر من أن يستطيعوا إلباس بناتهم أجمل الثياب، وقد اعتبروا أن الملابس الجميلة تفرض على الفتاة السلوك الحسن والمعتبر، وكان ذوقهم في مجال الملابس رفيعا، فلا توجد إضافات لا معنى لها، او الوان فاقعة قبيحة المنظر، لقد كانت رهافة الحس الجمالي موسومة في كل أزيائهم”. واستطرد قائلا : اذن السلوك الجيد والمعتبر هو ما حدده الناموس الشركسي للنساء والفتيات، هو الاساس الذي يحدد طريقة حياتهن في مختلف المجالات، وعلى الأغلب فإن طريقة سلوكهن قد حددتها أهميتهن الاجتماعية في الحياة، إن يكن جميلات لكي يسررن الناظر ويسترعين الثناء والاحترام”.

وكذلك فقد كتب الجنرال بيرغ، حول جمال الشركسيات بقوله: “لا تتمتع الفتيات الشركسيات فقط بشهرة الجمال الخلاب الموروث عن اسلافهن، بل ان لديهن ميزة هامة تنبع من المعطيات الروحية لهذا الشعب، ونحن نتكلم هنا عن الاحترام والتقدير الفائق الذي يكنه الشراكسة للمرأة الشركسية نستدل عليها من الحقيقة التاريخية التالية التي تؤكد بأنه إذا ما قامت امرأة ما سافرة الشعر باقتحام قتال دائر بين فارسين متقاتلين يتوقف القتال فورا، وينهى سفك الدماء، خاصة اذا كانت المرأة متقدمة في السن أو من أسرة مشهورة” كما تؤكد الوقائع التاريخية بأنه:

“يكفي لأي مطارد ان يأوي إلى امرأة حتى يصبح من المحرم المساس به”، وكذلك لا يمكن إيقاع أية عقوبة او انتقام وخاصة القتل بوجود امرأة، علما بأنه من المتعارف عليه في اوساط الجنسين انه من العار اللجوء لحماية الجنس اللطيف، ولذلك لا يلجأ إليها إلا في حالات نادرة .

واما الشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف الذي عاش فترة من حياته منفيا بين الشراكسة، سبق له أن دون ملاحظاته عنهن في رائعته ((بطل من هذا الزمان
حيث تحدث عن الفتاة الشركسية وأصالتها كما في الخيول. إنك لا تعرف الشركسيات، شتان بينهن وبين “الجورجيات” إن لهن قواعد خاصة في السلوك وقد نشأن على تربية اخرى” وهو حين يتحدث عن عفة الفتاة الشركسية “بيلا” التي احبها وأحبته قالت له وهي تحتضر “إنها تأسف على أنها ليست مسيحية ذلك لأن روحها وروح “بتشورين” لن يلتقيا في العالم الآخر وان امرأة اخرى ستكون خليلته في الجنة، وعندما اقترح عليها ان تكون مسيحية، قالت: لا بل أموت على ديني الذي ولدت عليه”.

نستنتج مما تقدم بأن أهم الصفات التي تتحلى بها المرأة الشركسية بشكل عام يمكن ايجازها كما يلي:

* الاخلاص: المرأة الشركسية تخلص لبيتها وزوجها وتتفانى في تربية اولادها وفي خدمة زوجها وعائلتها.
* الطاعة: تتصف المرأة الشركسية بالطاعة دون ضعف وبالقناعة بنصيبها في الحياة الزوجية دون شكوى او تذمر.
* الحيوية والنشاط: تتمتع المرأة الشركسية بنشاط وحيوية دائمة، ولا تكل او تمل في القيام بواجباتها المنزلية وبتقديم العون للاهل وللجارات.
* الوفاء: هي سمة من سمات المرأة الشركسية الايجابية، وكذلك حفظ الجميل لمن يحسن إليها ويحترمها.

* الصبر: من مميزات المرأة الشركسية في كل المواقف الصعبة والحرجة هو قدرتها على الصبر وأنها لا تتذمر او تشكو لاحد من أهلها وعائلتها او حتى لأقرب صديقاتها.
* كتومة ومحافظة على اسرار الزوجية ونادرا ما تبوح بها حتى لأهلها.
* تتمتع بحرية شخصية في التخطيط لمستقبل حياتها عامة وفي اختيار شريك حياتها دون تدخل من الاهل، وإن تدخلوا فلها الحق بحكم عادة الكواسة ان تقرر الاقتران بمن تحب وترغب وتوكيل من تشاء لعقد قرانها حتى وان عارض الاهل في ذلك *
* الاعتداد والثقة بالنفس، دون كبرياء، من السمات المميزة للمرأة الشركسية دون كبرياء.
* الاعتزاز بأنوثتها وجمالها دون غرور او تعجرف.
* الحياء والادب الجم وهي صفة ميزتها عن كثير من نساء قوميات اخرى، فضلاً عن تواضعها في كل المواقف حتى وإن كانت من اسرة غنية او فقيرة.

– المرجع : الموسوعة التاريخية للأمة الشركسية – الدكتور محمد خير مامسر

صورة ‏‎Nadia Tleachah‎‏.