التصوف طريقة تعبد إسلامية قد تخرج عن حدود المألوف بالنسبة إلى العامة لما تمتاز به من كثرة الاجتهاد بالتعبد، والتقشف في الحياة والبعد عن الشهوات والتفاني في محبة الذات الإلهية. ويرجح بعض الباحثين أن أصل تسمية الصوفية بهذا الاسم جاء من اقتصارا لمتصوفين على لبس الصوف رغم خشونته دليلا على التقشف والزهد بينما يقول البعض أنها

مشتقة من صفاء النفس والبعد عن الشهوات وينسب آخرون التسمية إلى أهل الصفة الذين كانوا زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيمون في المسجد النبوي في المدينة المنورة

متفرغين للعبادة حيث لاعمل لهم ولادار يخرجون للجهاد في سبيل الله إذا نودي له ثم يعودون للعبادة في المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلهم ويقوم بما يلزمهم من طعام وكساء بينما قد يرى بعضهم أن اسم الصوفية قد تم اشتقاقه من كلمة صوفيا اليونانية التي تعنى الحكمة.

ولم يعرف عن أئمة الصوفية أنهم حرموا حلالا أوحللوا حراما، أو أنهم خرجوا عن الكتاب والسنة لكنهم اجتهدوا في الزهد والعبادة حتى صفت نفوسهم وقويت روحانياتهم ليستشفوا بها بعض الحقائق والأمور وهكذا نسبت لهم الولايات والكرامات، وبالغ عامة الناس في تقدير كراماتهم حتى خرجت عن حدود الممكن والمعقول والمقبول واستطاع كثير من الأدعياء التظاهر بالتصوف والاستعلاء، على العامة واستغلالهم بإدعائهم الكرامات واجتراح المعجزات مما جعلت العقلاء من الناس ينظرون إلى التصوف كله نظرة ريبة وشك.

ويطلق الصوفية على أنفسهم أسم الفقراء. وينقسمون إلى فرق عديدة تعرف كل منها بإسم الطريقة ولهم تعبيرات ومصطلحات خاصة كالنفخة والقبضة والخرقة وغيرها والأصل في الطرق الصوفية أن شيخ الطريقة له مريد ون. وأن المريدين يتدرجون بمراتب سبعة متتالية وذلك بأن يلقن لهم شيخهم في كل مرة أسما من الأسماء السبعة المعروفة لد يهم ويجري تلقين المريد الاسم الذي يترقى به بعد أن يرى شيح طريقته فيه تفانيا في طاعة الله ومزيدا من الإخلاص في عبادته وبعد تمكنه من تلاوة أوراد وتسبيحات معينة في أوقات معينة كل يوم عددا من المرات، مع مداومته على المشاركة في حلقات الذكر الخاصة بالطريقة والأسماء السبعة التي يجري تلقينها بالترتيب أسما من بعد اسم للمريدين لتحديد مراتبهم من قبل شيخهم هي:

– لاإله إلاالله: وتسمى فيه النفس أمارة

– الله: وتسمى فيه النفس لوامة

– هو: وتسمى فيه النفس ملهمة

– حق: وتسمى فيه النفس مطمئنة، وهي أولى درجات الولاية

– حي: وتسمى فيه النفس راضية

– قيوم: وتسمى فيه النفس مرضية

– قهار: وتسمى فيه النفس كاملة

وتختلف طريقة آخذ المريد للعهد والترقية في مرتبته بصورها وصيفها باختلاف الطرق الصوفية العديدة. ولكن الكيفية المشتركة بينها جميعا هي بأن يتطهر المريد ويجلس إلى شيخه فيمسك الشيخ بيده اليمنى يد المريد اليمنى ويعاهده على طاعة الله ورسوله والإخلاص في عبادته وهناك العديد من الإجراءات والمراسم والأقوال وربما الاختبارات التي تجري للمريد قبل منحه العهد والترقية من شيخ طريقته

ويرجع أصحاب الطرق الصوفية أصل التصوف إلى آن سيدنا علي ابن آبي طالب كرم الله وجهه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم آن يدله على أقرب الطرق لله تعالي فقال له :يا علي عليك بمداومة الذكر في الخلوات فقال علي: هذه فضيلة الذكر وكل الناس ذاكرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله فقال علي: كيف أذكر يا رسول الله قال: أغمض عينيك واسمع مني ثلاث مرات ثم قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع منك فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مغمضا عينيه رافعا صوته ثلاث مرات: لاإله إلاالله وعلي يسمع ثم قال علي مغمضا عينيه رافعا صوته ثلاث مرات : لاإله إلا الله والرسول صلى الله عليه وسلم يسمع.

ويقول المتصوفة أن لكل بلاد رجال وأن لكل رجال قطبا وأن الأقطاب الأربعة هم السيد أحمد الرفاعي والسيد عبد القادر الجيلي والسيد أحمد البدوي والسيد إبراهيم الدسوقي ويصنفون مشايخهم من حيث مراتب الوصول إلى النقباء وعددهم ثلاثمائة والنجباء وعددهم سبعون والأبدال وعددهم أربعون والأخيار وعددهم سبعة والعمد أو الأقطاب وعددهم أربعة والغوث وعدده واحد. ولكل طريقة صوفية أورادها وأذكارها وأساليبها الخاصة في تلاوة هذه الأذكار والأوراد ولها احتفالاتها بمناسبات خاصة بها وتختار كل طريقة علما وزيا خاصا بها بلون معين ومن الطرق الصوفية المشهورة في مصر وبلاد الشام والسودان وتركيا والقفقاس وغيرها من البلد ن الأحمدية والرفاعية والقادرية والبراهمة والشاذلية والخلوتية والميرغنية والسعدية والنقشبندية والمولوية والمريدية (في الد اغستان والشيشان) والكلشتية والبكتاشية والملامية والسهروردية والسنوسية والدمرداشية.

والدمرداشية هي إحدى الطرق الصوفية المتفرعة عن الطريقة الخلوتية ومؤسس هذه الطريقة في مصر هو الشيخ المتحدث محمد دمرداش المحمدي الخلوتي الشركسي وقد عرفه المؤرخ نجم الدين الغزي صاحب كتاب الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة( بالشيخ دمرداش المحمدي ولقبه بالمحدث وأسماه دمرداش من دون محمد  وقد يعود شيخنا بنسبه إلر أحد أمراء الشراكسة في دولة السلطنة الشركسية في مصر واسمه الأمير دمرداش (ربما يكون تحريفا لأسم شركسي: كأن يكون تامرطاش أوما أشبه). وهومن كبار أمراء الشراكسة في مصر وبلاد الشام وكان نائبا عن السلطان على مدينة حلب عند هجوم تيمورلنك عليها واحتلاله وتدميره لها حوالي عام 1398 م والشيخ محمد دمرداش المحمدي شيخ صالح ورع معتقده كان من أتباع السلطان الأشرف قايتباي الذي حكم في الفترة 1467- 1495م وهو من أصحاب وتلاميذ الشيخ سيدي أحمد بن عقبة المغربي. ولما مات شيخه المغربي ساح الشيخ دمرداش في البلاد أي أرتحل متجولا فيها حتى دخل مدينة تبريز العجم حيث صحب فيها الشيخ العارف سيدي عمر روشني وأقام عنده مدة من الزمن ثم رجع إلى مصر فنزل بالبرية خارج الحسينية وأنشأ له زاوية عرفت باسمه يتعبد فيها ويذكر الله واستأذن السلطان في إحياء أرض زاويته أي زرعها وفلاحتها فأذن له السلطان بذلك فغرس حوالي ألف نخلة وتعهدها بالرعاية والسقاية حتى أثمرت وجادت ثمارها وأوقفها على الورثة والفقراء ومصالح الغيط (أي المزرعة المروية) بعد موته. وكان غيطا مشهورا عرف باسمه واشتهر بحسن تمره وثماره ولذتها . تتلمذ على يديه بعض الشيوخ أمثال الشيخ حسن الجركسي والشيخ محمد الحانوتى والشيخ كريم الدين أبن الزيات.

اشتغل بالتأليف فصنف كتاب (تحفة الطلاب) وهي رسالة في التصوف تعرف برسالة الدمرداش. وألف كتاب(القول الفريد في معرفة التوحيد) وكتاب(مجمع الأسرار وكشف الأستار).

عرفت طريقته في التصوف بالطريقة الدمرداشية وهي طريقة متفرعة عن الطريقة الخلوتية ولها أتباع كثيرون في مصر بشكل خاص. توفي إلى رحمة الله بإذنه تعالي في 11ذي الحجة عام 929 هـ / 1523 م وصلي عليه صلاة الغائب في مدينة دمشق يوم الجمعة 17 محرم عام  930هـ  بعد وصول نبأ وفاته.

وقد استمرا لسادة الدمرداشية في قيادة هذه الطريقة الصوفية كمشايخ لها أبا عن جد. وممن تولو مشيخة هذه الطريقة الشيخ مصطفى المتوفي عام 1294هـ وهو أبن البكباشي صالح بيك الجركس الأصل. والشيخ مصطفى هو والد الشيخ عبد الرحيم باشا الدمرداشي شيخ الطريقة الدمرداشية المشهور بمصر.

ولد الشيخ عبد الرحيم باشا الدمرداشي ابن الشيخ مصطفى ابن البكباشي صالح بيك الجركسي في مدينة القاهرة ونشأ بها وتلقى مبادئ العلم في أحد الكتاتيب ثم ألتحق بالأزهر الشريف وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن الرافعي الحنفي والشيخ عبد المعطي الخليلي(لاحظ أن الطريقة الخلوتية تنتشر في مدينة الخليل في فلسطين) وأخذ التصوف عن والده الذي كان شيح الطريقة الدمرداشية في مصر. وصاحب كثيرا من العلماء وجالسهم وأنتفع بعلمهم كثيرا ومنهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن سلمان والشيخ مصطفى المراغي شيح الأزهر الشريف. وقد أولع بمطالعة الكتب وخاصة الكتب التاريخية والجغرافية حتى أصبح واسع المادة في تاريخ الأمم ومواقع البلدان.

ولما توفي والده الشيخ مصطفى عيَن في مكانه شيخا للسادة الدمرداشية وكان عمره أربعة وعشرين عاما فقط فنهض بالطريقة الدمرداشية نهضة لم ينهض بها شيخ من قبله بمثلها، حتى دخل في مسلكها كثير من العلماء والوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وقام بتجديد زاوية الطريقة وجعلها مسجدا كبيرا وزاد في عدد الخلوات المعدة لاختلاء الدمرداشيين وكان شيخنا كثير الأصحاب والخلان حلو الحديث والهندام يميل إلى الفكاهة والعمل ولا يعتمد إلا على نفسه في جميع أعماله وقد نجح في تنمية ثروته إلى الحد الذي رفع به من شأن بيته الكريم في الناحية الإقتصادية حتى أنه أعتبرمن أوائل متمولي زمانه وكبار اقتصادييه.

وكان يقرأ ورده في فجركل يوم وكان مواظبا على إحياء الحضرات(أي حلقات الذكرالصوفية) مرة كل أسبوع وعلى إقامة المولد في كل عام وكانت مدة مشيخته للطريقة أربعا وخمسين سنة. من أعماله الخيرية أنه أنشأ مستشفى الدمرداش المعروف باسمه فوجهة العباسية وأباحه لجميع بني الإنسان من جميع الأديان  وقد أنشأت فيها حديثا كلية طب العباسية. وكان من المشتغلين بالحركة الوطنية المصرية وكان عضوا في مجلس شورى القوانين المصري والجمعية العمومية المصرية وهووالد الأديبة المشهورة قوت القلوب هانم الدمرداشية.

توفي عام 1348 هـ / 929م ودفن في قبر أعده لنفسه في مستشفاه الذي أنشأه وله من العمر ثمان وسبعون سنة وأحتفل بجنازته احتفالا كبيرا .

وللطريقة الدمرداشية الصوفية نظام يختلف عن كثير من الطرق الصوفية الأخرى حيث أن لها تقاليد موروثة ونظما خاصة تتبعها . وهي وان كانت تنسب إلى الصوفية أسما إلا أنها تختلف عن طرقها اختلافا تاما . وهي تتبع نظمها الخاصة بدقة تامة ولا تحيد عنها . أما العهود وكيف تمنح عندهم فإنها ليست سهلة المنال لكل فرد وعلى المريد أن يواظب على الحضرات التي تقيمها الطريقة في مسجد الدمرداش مساء كل خميس حيث يذكرون الله ويقيمون شعائرهم الدينية ويبتهلون إلى الله بدعائهم تحت قبة المسجد مدة لاتقل عن سنتين. وبعدذلك ينظر أحد النقباء في أمره ويتأكد بنفسه من حسن سيرته وسلوكه فإن وجده طيبأ مرضيا سجل أسمه ضمن لائحة المرشحين لنيل العهود من الزعيم الأكبر. والعهود لاتمنح عندهم إلا في ليالي الخميس من شهر رمضان المبارك إلا أن من يريد الاعتكاف فإنه يقوم بذلك بدءا من منتصف شهر شعبان. ولهم سٌبحة خاصة لاينالها إلا المقربون وعاد حباتها مئة حبة. وأما الخلوة فهي عندهم مكان مقاس لاتزيد سعة الواحدة منها عن مترين ولامنفذ فيها للهواء غير ثقب صغير في بابها ولا شيء فيها سوى حصير يجلس عليه المختلي. ويدخلها المريد في أول يوم أثنين من شهر رمضان ولا يغادرها إلا في ليلة الخميس التالية. ولا يأكل في الخلوة إلا الأرز والسكر والقهوة ولا يترك الخلوة إلا لقضاء ضرورة ملحة وعدد خلواتهم 65 خلوة وهي مبنية حول مقام شيخهم الدمرداش. ولهم تقاليد عند الوفاة وهي أنهم إذا فجعوا بوفاة واحد منهم يسرعون إلى بيته ويحتلون مقدمة المشهد ويقولون في سير الجنازة ( هو, لاإله إلاا لله).

وعائلة الدمرداش ماتزال حتى اليوم من العائلات المصرية الكبيرة الشهيرة في مصروهن أبنائها الممثل المصري الكبير نور الدمرداش وقد ورد ذكرهم في كتاب (مصروالشراكسة) للمؤرخ الشركسي المعروف راسم رشدي بوصفها من العائلات الشركسية الكبيرة في مصر. كما ورد في نفس الكتاب أسماء لعائلات شركسية أخرى يسترعي الأنتباه عند تأملها أسم عائلة بكتاش الشركسية ويتبادر للذهن حالا ارتباطها الوثيق بطريقة تصوف مصرية أخرى ص الطريقة البكتاشية مما يجعل عدد الطرق الصوفية الشركسية اثنتين وربما كان العدد أكثر من ذلك مما يحتاج إلى المزيد من البحث والتمحيص في بطون الكتب لعرض الطريقة البكتاشية ونشأتها وتاريخها وشيوخها وتقاليدها كما فعلنا بسابقتها الطريقة الدمرداشية. وربما أظهر لنا البحث طرقا صوفية شركسيه أخرى.

وليس لنا أن نعجب من كل هذا فالشراكسة حكموا مصر وساهموا بحكمها بطريقة مباشرة وغير مباشرة مدة زمنية طويلة تتجاوز 650عاما، وكانت لهم أدوار دينية واجتماعية وثقافية واقتصادية كبيرة تتوازى مع ما قاموا به من أدوار عسكرية وسياسية كبرى سخرت في سبيل حماية الحضارة العربية الإسلامية من التدمير والتلاشي والانقراض نتيجة الهجمات المغولية الهمجية المدمرة المتتابعة والحملات الصليبية الأوروبية الحاقدة المتوالية على مدى أزمان طويلة بالإضافة إلى مطامع الدول المجاورة التي لم تترك فرصة للتآمر ضد العرب والمسلمين مع المغول أو الصليبيين إلا واستغلتها أكبر الاستغلال وأبشعه.

من مجلة (نارت)

بقلم فيصل حبطوش خوت ابزاخ