تعتبرالحكاية الشعبية من أقدم الفنون الأدبية وتشكل أساس القصة والرواية فالحكاية الشعبية قصة تتناول الحياة اليومية والأمور الدنيوية العادية والعادات الاجتماعية والمسائل التربوية وتهدف إلى خير الإنسان وسعادته

‏وتتجاوز الحكاية الشعبية أحيانا هذه الحدود ‏لتحمل بعض خصائص الأسطورة، التي تأخذ عموما طابع القداسة، وتشكل الآلهة أو أنصاف الآلهة شخصياتها الرئيسية وتعالج موضوعات الحياة الكبرى وقضايا الإنسان المصيرية كالخلق والحياة والموت.

‏وتتميز الحكاية الشعبية باتساع دائرة انتشارها فقد دخلت إلى كل دار وطرقت أسماع كل طفل في مرحلة من مراحل طفولته كما تداولها الروائيون الشعبيون في مجالس القوم في دلالة واضحة إلى أهميتها ودورها في الساحة الثقافية التربوية.

‏وتتميز أيضا بعنصر المبالغة في قوة الفاعل والمفعول به وهي مبالغة لافته للنظر ربما جاءت في سياق إثبات الذات وتمجيد الأنا, وربما جاءت تقليدا لقوة الطبيعة أو تعبيرا عن الرغبة في التأكيد على دور القوة وأهميتها في مواجهة التحديات وبالتالي جاءت هذه المبالغة في إطار الرمز.

‏وتعتبر الحكاية الشعبية وليد نظام اجتماعي ما وتحمل بصمات مراحل مختلفة من المراحل التي قطعها الإنسان وتمثل مخزونا تراثيا يعبر عن نظرة الإنسان للحياة وعن

حلم إنساني, ينشد السعادة والعدل منذ ما قبل العصر اللاطبقي وهي ليست مجرد مادة تسلية كما يعتقد بعضهم إنها نوع من أنواع المنطق ‏وتركز على ضرورية ثنائية الحكمة والشجاعة في مواجهة التحديات , ‏وتحقيق الطموحات .

‏وتختلف الحكاية الشعبية من شعب لآخر, نظراً لاختلاف في ‏وتأثيرها على الإنسان ‏وأنماط معيشته وتفكيره ويختلف دور العنصر الواحد من شعب لأخر,كالثور، والحصان,والأفعى على سبيل المثال نظرا لاختلاف دور هذا العنصر وأهميته من بيئة لأخرى,كما تختلف مسألة الحسم في الصراع بين الخير والشر ‏فهناك حكايات تميل إلى الحل الوسط ‏وتجند التعايش في حين هناك حكايات لا تقبل أي مساومة في هذه المسألة ‏وترفض أي شكل من أشكال التعايش، وتجمع الحكايات الشعبية رغم كل هذه التباينات ‏على قاسم مشترك يتمثل في السعي لما فيه خير الإنسان بالمفهوم المحلي.

 ويلاحظ من استعراض الحكايات الشعبية الشركسية  أنها ترتكز على عدة أفكار ‏يمكن إيجازها على النحو الأتي :

1_ مسألة الخلود:

‏يبحث البطل في بعض هذه الحكايات عن مادة تعيد الشباب للإنسان ‏أي الخلود  ‏لكنه خلود دنيوي ‏وليس خلود ما بعد الموت وقد تكون هذه المادة جمادا أو نباتا

2_ مسألة السعادة والعدالة:

‏يقاوم البطل في هذه الحكايات ظلما اجتماعيا يعاني منه المجتمع ويسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وترتبط سعادة الفرد بسعادة الجماعة .

3_ مسألة الصراع بين الخير والشر:

‏تتناول هذه الحكايات هذه المسألة بشكل أساس وتؤكد استحالة التعايش بينهما، كما تؤكد حتمية انتصار الخير على الشر ‏والعدالة على الظلم ء وبالقوة والحكمة ويشكل العملاق والأمير الظالم أبرز رموز الشر

4_ مسألة الولاء والانتماء والهوية:

‏تتطرق هذه الحكايات إلى هذه المسألة بشكل واضح ‏فالبطل عاند لا محالة إلى أهله وداره مهما ابتعد عنهما ومهما باعد الزمن بينه وبينهما ولعل في هذا إشارة ذو مغزى إلى مسائل الولاء والانتماء، والهوية, والوطن, وإلى رفض الاغتراب لأي سبب كان إلا في سياق مؤقت يفرضه ظرف ما ‏ويسعى البطل إلى تغييره وينتهي بنجاحه.

‏5_ الفرد والجماعة ومسألة العلاقة بينهما:

‏تركز هذه الحكايات على العلاقة بين الفرد والجماعة ودور كل منهما، وتؤكد استحالة مواجهة

التحديات دون تكامل ثنائية القوة والحكمة ويلاحظ بأن البطل غالبا ما يمتلك فقط القوه في حين يمتلك الآخرون/ الجماعة المعرفة والحكمة وذلك في دلاله واضحة إلى أن الفرد يمكن أن يمتلك القوة لكنه ليس من السهل أن يمتلك حكمة الجماعة وتؤكد على حاجة الفرد إلى الجماعة مهما بلغت قوته

6_ المرأة:

‏تعطي هذه الحكايات دورا كبيرا للمرأة في مسألة السعادة الأسرويه، وتؤكد على حقها في المشاركة في بلورة القرار وتخلو من حالات الطلاق باستثناء حالات قاهرة كما تخلو من ظاهرة تعدد الزوجات باستثناء حكاية واحدة نعتقد أنها جاءت في سياق الإضافات التي أضيفت إلى الحكاية بعد أن انتشر الإسلام بين الشركس ‏كما تتناول مسألة الزواج الثاني للرجل نتيجة ظرف قاهر أو موت الزوجة وتؤكد استحالة حلول الزوجة الثانية محل الأم

7_ عالم تحت أرضي أو مائي:

‏تدور أحداث بعض هذه الحكايات في عالم تحت أرضي، أو تحت مائي وغالبا ما يرمز هذا العالم إلى الشر.

لقد انعكست الأفكار التي تناولتها الحكاية الشعبية على مجمل النظام الاجتماعي، وأنماط السلوك والتفكير وشكلت أساس العادات والتقاليد، التي تحولت مع الزمن إلى أعراف بقوه القانون, تنظم شبكة العلاقات الاجتماعية رغم أنها لم تكن مدونة وهي عادات واضحة في تحديد حدود الحقوق و!لواجبات حازمة في إحقاق الحق وصارمة في مواجهة أي انحراف.

‏وساهمت هذه الحكايات في ترسيخ روح المقاومة للتحديات الخارجية لقد وقف الشركسي في وجه جميع التحديات التي هدد‏ت وجودهم وآثروا المقاومة على الاستسلام ولعل أوضح مثال هو الموقف من الاحتلال الروسي لبلادهم فقد تصدى الشركس لهذا الاحتلال وقدموا التضحيات الجسام رغم المؤشرات التي كانت تؤكد النهاية المأساوية للمقاومة كان التصدي لتحديات الاحتلال الروسي مجال تنافس وتفاخر لا مجال جدل أو مساومة.

‏كانت الحكايات بمثابة المناهج المدرسية الحالية وكانت المجالس التي تروى فيها هذه الحكايات بمثابة المدارس الحالية أو المنتديات الثقافية الحالية وقد لعبت الحكاية الشعبية الشركسية دورا كبيرا في المسألة التربوية وفي رسم معالم الشخصية، الفردية والجمعية على حد سواء .

‏وانتقلت الحكاية الشعبية الشركسية عن طريق الرواية الشفوية ولم تدون إلا في وقت متأخر لقد بدأ تدوينها تدريجيا ‏منذ أن أخذ الرحالة ينشرون بعض هذه الحكايات في الدوريات ‏ولا سيما في القرن التاسع عشر حين أخذت قضية الشركس أبعادا في الساحة الدولية

‏وازداد الاهتمام بهذه الحكايات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث بدأ عدد من الباحثين الشركس بجمع هذه الحكايات وترجمتها غالى لغات أخرى، بهدف التعريف بها منهم (سلطان خان جري ونوغمه شورى), (وحاتخوشقو قازي), و(تامبي باغور), الذي نشر في تفليس هذه الحكايات، وباللغتين الشركسية والروسية.

‏واهتم العديد من الباحثين الروس بهذه الحكايات منهم: ” ل. غ لوبانتيك” ، و” ي. ز بارانوف”, و “ي .بولافين”, و” م.ن يرمولنيك”، ونشرت الحكايات الشركسية لأول مرة في كتاب خاص في أواخر القرن التاسع عشر ففي عام 1893 أصدر” ت.ف كووين” كراسا خاصا بهذه الحكايات باللغة الروسية، وأعد “ي. زبارانوف” كتابا حول هذه الحكايات وأصدره في عام 1914 وتحت اسم “تمبوت” كما أصدر” م .يرمولنيك” كتابا آخر في عام 1915.

‏لقد انحصر الاهتمام بالفولكلور بالأفراد قبل ثورة أكتوبر وتولت المؤسسات الرسمية جمع التراث ونشره بعد الثوره منها المعهد الشركسي للبحوث العلمية (أ.ن.ي.ي) الذي بدأ نشاطه في عام 1932 وقد تمكن هذا المعهد من جمع ما يزيد عن ثمانية آلاف حكاية, ‏لقد أولت ثورة أكتوبر اهتماما خاصا بالتراث وساهم الكاتب الروسي المعروف (مكسيم جوركي) بدور كبير في هذا المجال.

‏في عام 1935 أصدر “ب.خ ماكسيموف” كتابا حول الحكايات الشركسية عرضه على مكسيم جوركي قبل طباعته فأبدى جوركي إعجابه الشديد بهذه الحكايات وتقديره العالي لها ورأى في حتمية انتصار الخير على الشر في هذه الحكايات دلالة قاطعه على نقاء الفكر الشركسي وسلامته.

‏وفي عام 1937 صدر الكتاب نفسه معدلا في موسكو كما صدر كتاب آخر في روستوف وباللغة الروسية أيضا شارك في إعداده كل من “ابراهيم تسي” و”كراشه تمبوت”,و”حاتقوه أحمد”, و”أصحه مافه داوت”.

‏وفي عام 194 صدرت الحكايات الشركسية لأول مرة باللغة الشركسية في كتاب أعده كراشه تمبوت، وتوالى صدور الكتب الخاصة بهذه الحكايات بعد الحرب العالمية الثانية ‏منها خمس كتب باللغة الشركسية ‏وثمانية كتب باللغة الروسية  ‏وكتاب واحد باللغة الكازاخية .

‏وقد قرر المعهد الشركسي للبحوث العلمية (آ. ن.ي. ي) إصدار ثلاث كتب ‏تضم أهم الحكايات الشركسية التي جمعت من مناطق مختلفة‏في جمهورية الآدغي، وإقليم الصابسيغ, وفي سورية, ‏والأردن، وتركيا، وصدر الكتاب الأول من هذه الكتب في مدينة مايكوب عام 1987, ‏تحت عنوان الحكايات الشركسية ويضم /39/ ‏حكاية . وسنذكر منها هنا:

‏وختاما ‏الحكاية الشعبية خيال  ‏يعبر عن طموح في تغيير واقع يمثل نظاما اجتماعيا ‏يعود إلى مرحلة أو عدة مراحل من مراحل التاريخ البشري ‏ونعتقد أنها حملت بذور الفكر الثوري بأنواعه وأشكاله المختلفة ولعبت دورا كبيرا في بلورة القيم الفاضلة، وتكمن أهمية الحكاية الشعبية ليس في مضمونها فحسب إنما في قدرتها على الاستحواذ باهتمام شريحة واسعة من المجتمع وتوسيع الخيال ‏ولا سيما الأطفال.