تطلعت أنظار العرب والمسلمين منذ عهد الخلافة الراشدة إلى فتح أرمينيا ؛ حيث التنازع بين العرب والبيزنطيين على حكمها , وخضعت في عهد معاوية بن أبي سفيان لحكم المسلمين , واستمر ذلك في عهد العباسيين , لكن البيزنطيين استولوا عليها حتى استردها السلاجقة عام ( 1042 ‏م الموافق 434 ‏هـ) .

‏وكان من قبل قد وصل جيش إسلامي تحت إمرة “سراقة بن عمرو” إلى حدود العجم لنشر الإسلام , وبعد أن استولى على أذربيجان , ‏انفصلت منه قوة بقيادة بكر بن عبد الله , وعبد الرحمن بن ربيعة , وقصدت جنوبي القفقاس , مثل “شروان ” وقسم من الد اغستان , والتي اعتنق بعض أهلها الدين الجديد , ثم استمر زحف المسلمين حتى فتحوا بلاد الأرمن وبلاد الكرج .

‏وتبوأ بعض الأرمن مناصب رفيعة في العهود الإسلامية ,وأذكر منهم ” الأفضل بن بدر الجمالي” 0 ‏الذي تولى الوزارة في عهد الخليفة الحافظ الفاطمي , برغم أنه كان نصرانياً 0 ‏فسمح لبني جلدته بالإقامة بمصر.

‏وكان الرقيق سائدا آنذاك في المجتمع , والأرقاء من أسرى الحروب , ولم يكن ينظر إليهم نظرة امتهان , بدليل أن أغلبهم من أمهات أولاد, وكان بعض الخلفاء من أم رومية أو أرمنية أو تركية , كما كنا نرى من أجناس الجند : الأرمني , والديلمي , والرومي .

‏أما بلاد الكرج , ‏فقد حكمها العرب المسلمون حتى عام ( 1100 ‏م) ؛ أي : إلى أوائل الحروب الصليبية , وامتد انسياح الإسلام في تلك الأصقاع 0حتى وصل إلى بلاد الأستين والشراكسة, وانقسمت جورجيا ” الكرج ” , تحت إدارة العرب , إلى بلاد الكرج الأصلية , وبلاد الأبخاز, ثم تجزأت وانحلت وحدتها .

‏وكانت أذر بيجان في العهد العباسي من الأقاليم قليلة الأهمية , ولم تقم لها قائمة إلا عندما هبت ريح المغول الذين وصلوا إلى بلاد الكرج التي تعاهد أهلها مع أهل أذربيجان ومع صاحب بلاد الجزيرة على قتال التتار, لكن هؤلاء تقدموا نحو بلاد الكرج , ونهبوا أهلها , ‏وقتلوهم , ‏وذلك عام ( 617 ‏هـ , الموافق 1218 ‏م) .

وفي أثناء الحروب الصليبية اضطر العرب إلى إخلاء بعض البلاد من قوات عساكرهم ليواجهوا الصليبيين في ساحل بلاد الشام, فانتهز الكرج الفرصة , ‏وزحفوا إلى ” تفليس ” , ‏واحتلوها, وذلك عام ( 1026 ‏م ), في الوقت الذي احتل فيه السلاجقة جنوبي القفقاس, وأرمينيا، والكرج , وبلاد الروم, واحتل ” ألب أرسلان ” جورجيا من جديد.

‏وفي عهد الملك “داويد الثاني” ( 1089 ‏_ 1125 ‏م) قضي على البقية الباقية من نفوذ العرب؛ حيث ضم إلى ملكه جنوبي القفقاس, وبلاد الأبخاز حتى بحر الخزر.

‏وتمكن البرنس “داويد” زوج الملكة “طامار” التي حكمت من عام ( 1185 ‏_ 1212 ‏م) من الوقوف أمام زحف الحكومات الإسلامية, ومنعها من الاستيلاء على بلاده “كرجستان “, وعمل “صلاح الدين ” على محالفة بعض ملوك المنطقة مثل ملكي جورجيا وأرمينيا وسلطان قونية وإمبراطور القسطنطينية, ثم هزم الكرج أمام جحافل “جنكيز خان “, ووقعت البلاد تحت حكم المغول والخوارزميين , ووضع حد لنهاية عهود جورجيا الذهبية بهذا الغزو, ولم تتعاف البلاد اقتصاديا ولا ثقافيا بعد غزوة ” تيمور”,وكان “جلال منكبرني” قد فتح قبلها البلاد بعد أن حارب المغول في عدة جبهات, وهم يتعقبونه من جهة إلى أخرى.

‏وابتدأ انحطاط جورجيا في القرن الثالث عشر الميلادي, وظهرت حكومات صغيرة تحت السيادة الفارسية, وكانت أصعب السنين عندما خل “تيمور لنك ” البلاد, وأحرق المدن وأجبر ملكها “باغرات الخامس” على الإسلام حسب كتب المؤرخين الغربيين, ثم قسمت المملكة إلى ثلاثة أقسام ’ لم يلبث أن انفصل بعضها عن جسم المملكة , وحل الخصام بينها, ثم جاء العثمانيون ,وأدى فتح القسطنطينية من قبلهم إلى عزل جورجيا عن المسيحية الغربية,وشهدت القرون الثلاثة التالية غزوات متكررة من قبل العثمانيين وإيران.

  • الإسلام في بلاد الشراكسة

‏وقد دخلها الإسلام مثلما دخل قفقاسيا 0 ‏منذ أوائل الدعوة الإسلامية؛ أي: في حوالي القرن التاسع الميلادي.

وتقع بلادهم في جهات مصب نهر “قوبان”, وتقع الحرب لأول مرة بين الروس والشراكسة, ثم تظهر أسرة “إينال “في جهات قوبان وترك والأباظة , ثم يؤسس أحد الأمراء المحاكم في بلاد القبرداي, ويحمي التجارة, ويقيم العدل , إلى أن يظهر المصلح “إسلام بك “, ‏ويجري الاستيلاء على بلاد الأستين والأنغوش وقره شاي, وتضم لبلاد الشراكسة , ثم تدخل البلاد ضمن دائرة النفوذ العثماني في القرن الخامس عشر الميلادي.

‏وقد حل الخراب بلاد القوقاز بعد اكتساحها من قبل المغول, ونتج عن ذلك دخول المماليك أرض مصر , ‏وما تلاه من زوال السلطة الأيوبية.

‏وقد ساق المغول الأهلين إلى الأسواق, وصاروا يبيعونهم بأبخس الأثمان, فاستحوذ سلطان مصر الملك العادل على عدد وافر منهم؛ كي يرفد جيشه بهم, وخاصة للعلاقات القديمة بينهم وبين الأيوبيين , حيث المحبة وحكم الجوار, وفي سنة ( 1230 ‏م) اشترى العادل اثني عشر ألفا من الشبان , فكانوا من الشركس والأباظة والكرج وغيرهم, وأحسن تعليمهم , فصار جيشه بهم أحسن جيوش الإسلام .

‏وسمي بعض المماليك بالبحرية؛ لأنهم أتوا مصر عن طريق البحر, وتذكر الدولة المملوكية البحرية باسم: الدولة الشركسية الأولى, بينما الدولة البرجية هي الدولة الشركسية الثانية.

‏وفي عهد “تيمورلنك ” تمكن السلطان الشركسي “الظاهر برقوق ” من استعادة بغداد, وكان قد حكم قبله كل من “أيبك”, و”بيبرس البندقداري”,وسواهما, وكان السلطان “قلاوون ” شركسيا 0 ‏وكان الأكفأ هو الذي يولى الملك في الدولة البحرية” شركسياكان أم غيرشركسي، ولكن هذا الاشتراط جرى في عهد “برقوق”.

وعم الإسلام في بلادهم بعد أن دخل بلاد القرم بشكل واسع , ‏برغم وجود بدايات منه كانت قد سبقت ذلك التاريخ؛ أي: منذ الفتوحات الإسلامية الأولى.

‏كان الرهبان أول من استوطن بلاد “القبرداي” الشركسية , ‏وكان أكثرهم من اليونان وبعضهم من اللاتين, ودخلت علن أيديهم كثير من الفنون والصناعات تلك البلاد , ‏ثم ترك هؤلاء القساوسة جنسياتهم وديانتهم، واندمجوا بأهل البلاد الأصليين , واعتنقوا الإسلام, ولا تزال ترى بقايا من أطلال الكنائس القديمة, وصلبان من الحجر والحديد, إضافة إلى بعض العادات هناك.

‏وفي الداغستان؛ أي: أرض الجبال , بدأت بواكير الإسلام منذ القرن الأول الهجري,وقد فتحها العرب في خلافة هشام بن عبد الملك عام ( 105 ‏هـ), ووطد أخوه “مسلمة ” الحكم العربي في تلك الديار, وكانوا يلقبونها بالدربند, فكانت ثغوراً من ثغور الإسلام.

‏ويقول ‏المسعودي في كتابه “مروج الذهب “: إن حاكما مسلما في طبرستان كان في أيامه, وإن أمير “خيدان ” المجاورة, كان يعتنق الأديان الثلاثة جميعا, ويروي أنه كان مسلما, بل إنه اختلق لنفسه نسبا عربيا, ولم يكن في بلاده من المسلمين سواه.

‏وقد حكم البرزبان أمير الكرج البلاد التي كانت أبعد من ذلك شمالا، وكان أيضا من المسلمين.

‏أما شمالها، فقد سكنه المسيحيون. . . ويذكر الإصطخري أن حدود “سرير” كانت على فرسخين من “سمندر” على الساحل, وكان أمرها يهوديا، وقريبا لملك الخزر.

‏يندرج هؤلاء الأقوام جميعا, تحت اسم ” اللزكيين “, ويظهر أن العرب أطلقوا هذا الاسم 0 ‏ويقول ” البلاذري”: إن منازلهم في السهل في “سحر”, ومدينة “شابران “؛أي: جنوبي داغستان الحالية, بينما يصفهم المسعودي بأنهم أقوام يسكنون أعالي الجبال في هذه البقعة , ‏بينما يطلق الروس اسم “اللزكيين ” على شعوب داغستان الجنوبية فقط , ‏ويذكر أنه قد أنجز منذ فترة قصيرة , ترميم مسجد ‏الجمعة الشهير في” دربند” الذي شيد عام ( 733 ‏م الموافق 57 ‏اهـ) .

‏كاذ الإسلام بطيء التقدم في هذه البلاد 0 ‏فقد حطم الروس سكة الخزر عام ( 354 هـ الموافق 965 ‏م ), ‏واستفاد”اللان”النصارى من هذا الموقف ,‏إذ كانت بلادهم أمام الغزو المغولي تمتد ناحية الشرق, أكثر مما كانت عليه في القرن الرابع الهجري.

‏ويقول ابن الأثير: إن المغول قد اتصلوا باللزل في غاراتهم الأولى على هذا الإقليم.

‏وكاذ المسيحيون يسكنون “اللان” عام ( 1254م) الجبال في اللان, بينما الأعراب المسلمون يسكوذ ” اللزك” بين الجبال والبحر, وكانت البلاد حتى ممر “دربند”,‏بل البلاد إلى جنوبه, تابعة لمملكة القبيلة الذهبية,في القرنين الثالث والرابع عشر الميلاديين , ‏ولم يكن الإسلام الدين الغالب عليهم آنذاك , ‏ولكن بعد اجتياح المغول , ‏كانت الأغلبية قد أصبحت من المسلمين ‏وأشهر شعوبها قبيلتان هما: ا”القوموق”,ويسمى ملكهم ” الشامخال “, ‏والقايتاق”,وحكمهم الذي يلي الدربند في يد السلطان “طوقتاميش”، والقوموق من أشد أنصار الإسلام وأحمسهم في بث دعوته .

‏وعندما أتى العثمانيون, فإنهم حكموا تلك البلاد لفترة قصيرة , ‏وقد وجدوا خلال تلك المدة أي: ( 986 ‏- 1015هـ ) أي: ( 1578 – 1606م) أن أحوال البلادكانت كما هي في القرون الأولى من الهجرة 0 ‏وكما تقول (دائرة المعارف الإسلامية ), فمن الجائز أن يكون اليهود قد أقحموا حوادث شتى ني تاريخ شعبهم وتقاليده بداغستان.

‏وكانت “دربند” أو “باب الأبواب” كما سماها العرب, والواقعة على الشاطئ الغربي لبحر الخزر بإقليم داغستان 0 ‏قد توطد فيها الحكم العربي 0 ‏على يد”مسلمة بن عبد الملك “, ثم سقطت في يد الخزر في أيام “هارون الرشيد”, ثم أصبحت ذات شأن عظيم فيما تلا من قرون؛ لأنها كانت أخر الثغور في العالم الإسلامي.

‏ويقول ابن الأثير: إن أهل الثغور استنجدوا بالسلطان “محمود بن محمد”, وبخاصة أهل “دربند”؛ لدفع الكرج و القفجاق, وإن هذا السلطان قام بغزوة في هذه البلاد عام ( 517 ‏هـ الموافق 1123 ‏م), ويلاحظ أن ” دربند” خرجت لمدة من أيدي المسلمين في القرن السادس الهجري.

‏كما يقول أيضا: إنها قد نجت من غارات المغول, واستطاع القفجاق أن يستولوا على المدينة إلى حين, وأكرهت بعدها على التسليم للمغول عام ( 1239 ‏م), ويذكر خانات القبيلة الذهبية أحيانا بوصفهم أقيال “دربند” 0 ‏وقد ضرب ” طوغطاميش ” عدو “تيمور”سكة تحمل اسمه هناك, وكان تيمور قد مرّ بها في أثناء حملته على الأخير عام ( 797هـ الموافق 1395 ‏م), وورد ذكر أمير مستقل عليها عام ( 1428 ‏م), ثم تراجعت ولحقت بها الأضرار.

‏ثم نجح الشاه إسماعيل الصفوي عام ( 1509 ‏م) في غزوها مع غزو( شروان ), ثم استطاع “أوزدمر عثمان باشا” عام ( 986 ‏هـ الموافق 1578 ‏م) الاستيلاء عليها, وبقيت في حوزة العثمانيين الذين استولوا عليها حتى عام ( 1015هـ الموافق 1606 ‏م)؛ حيث عاد الإيرانيون للسيطرة عليها, ثم استولى عليها القيصر الروسي “بطرس الأكبر” عام ( 1722 ‏م) لمدة خمسة عشر عاما؛ لتصبح إمارة مستقلة بعد موت ” نادر شاه “, ثم استولى عليها الروس عام ( 1876 ‏م) لمدة.

من كتاب (قفقاسيا بين العثمانيين والروس)

تأليف:د. علي حسون