يعتقد بعضهم أن جذور العلاقات العربية-الشركسية تعود إلى ما عرف اصطلاحاً بعصر المماليك، غير أن الحقائق التاريخية تثبت أن  هذه الجذور تعود إلى زمن موغل في القدم. وهذا أمر طبيعي في السياق العام لإملاءات عصر جمع القوت والصيد واستحقاقات مسألة  البقاء، وهو عصر طويل شهد بدايات تشكل اللغات(2) وتلاقح الثقافات الأولية، فقد اضطرت مجموعات الإنسان القديم إلى الترحال من  منطقة لأخرى في هذا العصر ، تحت ضغط الحاجة الحياتية، واختلطت مع بعضها . ولعل في هذا ما يفسر جانباً من ظاهرة  المشترك الصوتي بين العديد من اللغات القائمة والمندثرة.

 ولا شك في أن الظاهرات الطبيعية/ الجغرافية لعبت دوراً كبيراً في مسألتي الاختلاط والتلاقح الثقافي، ولاسيما ظاهرة التقدم الجليدي  وتراجعه، التي امتدت تقريباً حتى الألف العاشر قبل الميلاد، فقد فرضت هذه الظاهرة على مجموعات الإنسان القديم ترحالاً أخذ اتجاه   الأودية النهرية، وهو على الأغلب اتجاه شمال-جنوب في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فأعادت هذه الظاهرة تشكيلات التوزع  الجغرافي لهذه المجموعات أكثر من مرة.

 وأخذت العلاقات العربية-الشركسية تشهد تفاعلاً حضارياً، منذ بدايات عصر الحضارات القديمة، التي أبدعتها شعوب الدائرة الحضارية، منذ الألف الثالث قبل الميلاد(3)، وهي دائرة تمتد من القفقاس ومنخفض البحر الأسود في الشمال(4) إلى المناطق الساحلية في جنوبي الجزيرة العربية في الجنوب، ومن اليونان ووادي النيل غرباً، إلى الخليج العربي وبلاد فارس شرقاً، وتضم في داخلها حضارات وسط الجزيرة العربية وبلاد الشام وبلاد الرافدين والأناضول.

 عموماً، شكل القفقاس والمنطقة العربية مناطق جاذبة ونابذة/طاردة  للأقوام والشعوب القديمة. جاذبة بتوفر شروط الحياة ومقوماتها ، من المناخ المعتدل والماء والتربة الخصبة والمراعي والغابات الغنية بعالمي النبات والحيوان، ونابذة أو طاردة بسبب فيض سكاني أو ظاهرة طبيعية أو غزو خارجي وقد شكل النصف الشمالي من الجزيرة العربية ساحة التقاء مختلف ثقافات الدائرة الحضارية، الأمر الذي يفسر الكثير من جوانب المشترك اللغوي والحضاري بين شعوب هذه الحضارات. وبالتالي يعد وجود المشترك اللغوي بين مختلف لغات هذه الدائرة مسألة طبيعية.