يا حبيبي كم  يبدو   مستحيلا  أن آتي  إليك……

انهدمت  وديان ما بيننا و ارتفعت جبال ،  ومشت أنهارُ و مشت سيولُ  وطغت بحار …….

انتظرت شراعاً بهذا الُمحال، بحثت عن سفينة نوح فوق التلال ….

حلمتُ أن أكاتبك يا حبيبي علّ كلماتي تصير طيوراً  تحط على راحتيك , علّ السطور  تصير جسوراً أعبر  فوقها  إليك.

العارفون بأسرار الرياح قالوا: سيكون قارسا هذا الشتاء, ولن يأتي ربيع قبل أن تموت غابات, وتتيبس أشجار, و تجمد قفار ، قبل أن تنزاح جبال, و تظهر تلال، قبل أن تموت مدن , وتولد أجيال …

فكيف أقاوم لوحدي هذا الفناء, و أولد مع قدوم الربيع, و أنزلق فوق أمواج البحار, فآتي إليك بعد  الضياع و بعد  الشقاء.

كيف أحتمل الثلج القادم بهذا الشتاء.

 لم تعد عظامي تقارع الصقيع , لم أعد كما تعرفني يا حبيبي طرية كما أزهار الياسمين ، قوية كما أشجار الكستناء.

ذئاب المساء تعوي وتبكي حولي وتشتهي الدماء, وهذه الغابة صامتة  كإله محطم أعماه الضباب, وأنا أبحث عن كهف ألجأ  إليه, وكلما لمست شيئا بيدي صار يباب,  فأبقى حبيسة هذا الاغتراب.

أكتب إليك يا حبيبي علّ الكتابة تجعل روحي تطير و تركن على وجنتيك.

ما أحلى الموت يا حبيبي حين يصير ولادة بين يديك, ما أحلى المخاض لو أبكي كل تاريخي على ساعديك.

هل تعرف يا حبيبي كم قطعت من البراري و القفار أحملك في رحمي جنينا, …بنو أعمامك أخذوا بستاني, و جيراني أخرجوني من دار  أبي, و أخوالك طاردوني, ركضت ياحبيبي عبر المدى,  شققت بيدي الضئيلة ودون عصى موسى عشرات البحار,  قطعت  مئة نهر عظيم، قطعت مئة نهر جليدي عظيم، سحلت الأشواك تحت قدمي ولم اسمح  لجرحي بالأنين، مشيت دون طعام و دون شراب مئات السنين ,  أحملك في رحمي جنينا، أرمي ورائي حِمل الجبال كي أوصلك لأرض جديدة,  وأزرعك وطنا جديداً.

حين كنت أمضي بك في الرحيل الكبير. كانت المدن تلاحقني, تكشر بوجهي وتلطمني, وكنت طريدة كل البشر، طريدة ثأرات لم أرتكبها, طريدة آثام لم أقترفها, و أكثر ما كان يفزعني يا حبيبي أن يرجموني, كنت أحسّ أن كل المدن تلاحقني وكل المدن تطاردني و ترجمني.

فإذا ما حلمت  بطعم السلام. كنت أرتمي بين كتفيك, وأخبئ روحي القلقة بين جناحيك و أشكوك  خوفي وتعبي, كمهرة مفزوعة بين الصقور،  طريدة وحيدة بين صائديها.

 حين كنت أندس فيك. و حين كنت أرتمي فوق كتفيك, أصير أقوى من رواسي الأرض, و أرسخ من أعمدة السماء.

حملتك في رحمي جنينا, قطعت الصحاري, قطعت الفيافي, اطوي الشمس بيديَ و أمشي في الظلام, أهرب من نجوم السماء و أختفي عن ضوء القمر، كان كل ما حولي  مفزعا مخيفا طاغيا كأنه القدر.

أسقطت ثأري في دماء أبيك, أسقطت حقي في بستان أهلي, أسقطت حقي في قبر أبي, وهل هين عليّ أن اسقط حقي في تراب أبي  فأحيا  بلا  حجر  مقدس بلا قسم.

كلّمتك و أنت بعد جنينا ولست نبيّة ولست كليمة, ولاعبتك  وعلمتك وأنت بعد جنينا, وقلت لك ياولدي مهما جحدوك      و أنكروك فكن قوياً وعالياً كما السنديان, وكن واسعا مثل البراري, وكن طليقاً مثل القفار .

مهما وصفوك يا ولدي…..إبقى صامتاً مثل الضباب, و أبقى  غامضا مثل المطر.

قطعت  الصحاري  قطعت  الفيافي  وأنت في رحمي جنينا, أشد نفسي على نفسي لأبقى قوية كسيف الرّب فوق البحار .

قطعنا الدروب قطعنا السهوب حتى وصلنا لحلم الأمان و لما آن أوان الوضع يا ولدي بحثت عن كهف دافىء  لعلِّي اجعل منك مسيحا جديدا , بحثت عن  نخلٍ  و تمرٍ علِّي أجد إلها  رحيما, حين آن أوان الوضع يا ولدي بحثت عنك فلم أجدك,  بحثت عنك فأدركت  لحظة  الوضع بأنك فررت مني و عدت إلى ساعة الرحيل , هناك بين الجبال يا وحيدي  صرت  وحيداَ.

فآمنت  يا ولدي  بأنّ  اقتلاعك و أن  اجتثاثك مستحيل, وأني مهما مشيت ومهما ابتعدت فكأني امشي فيك, و أني مهما بحثت في نفسي فإنما  أبحث عنك , ومهما مضيت فإنما  أمضي  منك إليك.

فماذا افعل اليوم بالبكاء و ماذا افعل بالندم بعد الشقاء.

يا ولدي   يخيل  إليّ  أحيانا أن لا شيء   مستحيل ……..

سأكتب إليك يا فؤادي علّ الكتابة تحملني رغم هذا القدر، علّ الكتابة يا وحيدي  تسرقني  بليل يداري الأسرار و يخفي القمر, علّ الكتابة يا حياتي  بلحظة وحي  تخطفني كما يخطف البرق البصر,     و ترميني بمرج سلام بين ذراعيك.

العارفون بأسرار الرياح قالوا: سيكون صعباً طويلاً عنيداً هذا الشتاء, فكيف أقارع  يا روحي لوحدي  هذا الشتاء ؟

فأنا يا ولدي, ما عُدتُ  أحتمل أنين الرياح, ما عُدتُ  أحتمل نحيب الشجر , فماذا أفعل كي أقاوم هذا الفناء؟

عشتُ ألف عام يا حبيبي فهل يؤمن من عاش ألف عام بالمعجزات؟

و كيف أتخطى هذا القادم دون إيمان بالمعجزات؟

هل أعوي كما تعوي الذئاب وتشتهي الحياة كشهوة الدماء ؟  أم أموت  وحيدة  فوق السحاب؟

أُعييتُ يا وطني……أُعييتُ,  فهل لديكَ سبيلٌ  يحملني إليكَ  قبلَ  أن ينشُبَ  أنيابه بروحِيَ  هذا الشتاء؟………

 المصدر : نرين طلعت حاج محمود