بات معروفاً أن الشركس شكلوا مملكة في الألف الثالث ق.م، أطلق عليها العالم الروسي تورتشا نينوف اسم “آشوي، وكانت تضم حوضي الكوبان في شمالي القفقاس وريون في جنوبي القفقاس، مع الساحل الشرقي للبحر الأسود، وفق الخارطة التي وجدت في مقبرة تل “وصاده”  بمايكوب، وتعد أول خارطة واضحة في تحديد حدود كيان سياسي في  التاريخ.

عرفت هذه المملكة الكتابة، وأقامت علاقات واسعة مع الحضارات الرافدية، والشامية، والمصرية القديمة ، وساهمت في تطوير الكتابة الفينيقية وشهدت حركة مضادة للثقافة، ربما الأولى في التاريخ، وتحديداً الكتابة، حيث تعرض للقتل أو النفي كل من كان يعرف الكتابة في هذه المملكة، مما أدى إلى دمارها، بعد أن فقدت نخبتها الثقافية، وأصبحت مفتوحة للتحديات الداخلية والخارجية.

وثمة اكتشاف في غاية الأهمية، فقد عثر منذ عدة سنوات، على سفينة في قاع البحر الأسود، وقبالة السواحل البلغارية، وتكمن أهمية  هذا الاكتشاف في حجم هذه السفينة وعمرها، إذ يبلغ طولها /405/م، ويعود عمرها إلى /7/ آلاف عام، أي إلى /5/ آلاف عام قبل الميلاد ، كما  تكمن في التساؤلات التي تثيرها حول هوية الحضارة، التي أنتجت مثل هذه السفينة العملاقة. إن صناعة سفينة بهذا الحجم تحتاج إلى تكنولوجيا أكثر تطوراً بكثير من التكنولوجيات المنسوبة إلى حضارات تلك المرحلة، وبالتالي يدعو الواجب إلى إعادة النظر في الحضارات القديمة، والروايات التي استند إليها المؤرخون في كتابة التاريخ القديم، وفي رسم خارطة التوزيع الجغرافي للحضارات القديمة.

تطرح هذه السفينة أسئلة كثيرة، منها مثالاً لا حصراً:

– من أين جاءت هذه السفينة، وما هي هويتها..؟!

– هل هي نتاج حضارة محلية خاصة بالبحر الأسود، أم هي نتاج حضارة قامت خارج حوض هذا البحر..؟!

– هل يمكن أن تكون هذه السفينة هي سفينة نوح، وبالتالي هل حدث الطوفان في البحر الأسود ذاته، وبعبارة أخرى، هل البحر الأسود هو نتاج الطوفان..؟!

– هل من علاقة بين الشركس وبين هذه السفينة العملاقة..؟!

– جرى التعتيم، على هذا الاكتشاف بسرعة، رغم أهميته البالغة، فما هو سبب هذا التعتيم، وماهي دوافعه، ومن يقف وراءه؟! وهل من علاقة بين هذا التعتيم، والروايات التي استند إليها المؤرخون  في كتابة التاريخ، ولاسيما الرواية التوراتية..؟!

– هل هناك حضارة راقية نسبياً، غائبة، أو مغيبة لاعتبارات سياسية..؟!

– هل كان البحر الأسود في الأصل منخفضاً، يضم بحيرة تغذيها بعض الأنهار كالدانوب ، والدون، والدنيبر، وتقوم على ضفافها وشواطئها حضارة أكثر رقياً مما هو معروف عن الحضارات القديمة، واتصل البحر الأبيض المتوسط بهذا  المنخفض، نتيجة حركات أرضية، مما أدى إلى تدفق مياه البحر الأبيض المتوسط إلى المنخفض بكميات هائلة، وبالتالي ارتفاع منسوب مياه البحيرة الموجودة في منخفض البحر الأسود، وغمر الحضارة التي كانت قائمة على شواطئها، فاضطر سكان هذه الحضارة إلى الهروب عبر سفن مثل هذه السفينة العملاقة..؟!

ثمة معطيات تعزز إمكانية وجود ما يمكن تسميته بحضارة البحر الأسود، فهناك بقايا حضارة/عمران في قاع البحر الأسود، ولعل أكبر دليل على وجود هذه الحضارة هو السفينة العملاقة بحد ذاتها، فهذه السفينة لاشك في أنها نتاج هذه الحضارة.