كان النارتيون يعلمون أن(سوسرقوا) يحتفظ بثلاثة أقداح ثمينة جداً، لا يدرون من أين أتى بها، ولكن أغلبهم كان يعتقد أنه غنمها في إحدى غزواته، وكانوا يستغربون أن يحتفظ بها لنفسه، وهو الذي عودهم أن يوزع ويهدي من غنائمه وأسلابه كل ما ما يحتاج إليه، غاليا كان أم رخيصا، فذهبوا يشيعون عن هذه الأقداح مختلف الإشاعات، فمنهم من أشاع أن هذه الأقداح يحتفظ بها (سوسرقوا) لثلاث من عشيقاته الأثيرات يتستر عليهن لأنهن من نساء السادة وزعماء النارت، فلا يريد أن يفتضح أمره معهن وهو يخشى إذا هو أهدى إحداهن أن تتفاخر بما أهدى إليها فتفضح نفسها وتفضحه !! والمرأة لا تحفظ سرا اؤتمنت عليه بل يشيع عنها كما يشيع الضوء في ظلمة الليل.

‏ومنهم من زعم أن هذه الأقداح، لم يغنمها في غزوة من غزواته، ولكنها أهديت إليه من إحدى عشيقاته الغنيات، وهو لا يريد أن يفرط بها احتراما لمن تفضلت بها عليه وحفظا لمودتها ومحبتها ومنهم من قال بأن تلك الأقداح إنما أهديت إليه من الآلهة التي تحبه ولا ترد له طلبا ، فهولا يستطيع إلا الاحتفاظ بها، خوفا من غضبها عليه إذ ا هوفرط بها!!.

‏وقد ضاق (سوسرقوا) ذرعا بهذه الإشاعات والمزاعم وملّها ، فبعث يوما مناديا في القرى النارتية ينادي ويقول:

‏يا سادتي آل (يمنقوا ) وآل (تشنتقوا) وآل (خمشقوا)!!.

‏- ويا أمراء النارت وأبطالهم وفرسانهم الأشاوس!!  يدعوكم (سوسرقوا) إلى وليمة كبرى يقيمها ليهدي أقداحه إلى من يستحقها منكم، فامسكوا بيد الأعمى الذي لا يدل الطريق وقودوه إلى موائده وليحمل القوي الضعيف الذي لا يستطيع المشي.. ليطعم مما حفلت به تلك الموائد من طعام وشراب ويحضر توزيع الأقداح لعله ينال قدحا منها.

‏فتوافد الناس زرافات ووحدانا، شيبا وشبانا ، وقاد المبصر الأعمى وحمل القوي العاجز الذي لا تحمله قدماه!! وجلسوا حول موائد حفلت بشواء الخراف الطرية وبلحوم العجول المسلوقة، وأفخاذ الدجاج المقلية بالزبد، وبما حلا طعما، ولذّ مذاقا من بنت الكرمة!!.

‏وتصدر (آلج يقوا) سيد سادات النارت المكان وجلس إلى يمينه الزعيم العجوز (وزرمس) أكبر الزعماء سنا، كما جلس عن شماله الزعيم (شورتن) الذي يعد من أجيال الزعيم الأول!! وجلس شيوخ القوم وساداتهم وأمراؤهم وفرسانهم وباقي أفراد الشعب كل حسب طبقته الاجتماعية وقدره بين الناس وتقدمه في السن، ووقف خلفهم فتية نجب من النارتيين يملؤون الكؤوس كلما فرغت ويخدمون من جلس إلى تلك الموائد من كبار القوم!!.

‏ووقف الزعيم (وزرمس) وهو يحمل بيده كأسا مترعة من الخمر المعتقة، وأخذ يتفاخر – كما هي عادتهم مثل هذه المناسبات- بالنارتيين وأعمالهم التي بزوا بها أمم الأرض، وتفاخر بأيامهم الغر التي نالوا فيها الانتصارات على أعدائهم، كما هو دأبهم منذ خلقوا ثم مدح من أقام الحفلة، فذكر مناقبه ومآثره وما فعل من خير للنارتيين، ودعا الآلهة أن تكلأه بعين رعايتها ، وأن تهبه السعادة في حله وترحاله وأن تمن عليه بالحياة الرغيدة الطويلة!!.

‏ثم رفع رأسه وعلا صوته وهويقول: أيتها الآلهة العظام نطلب منكم أن تنظروا دائما إلى النارتيين بعين الرعاية وأن تشملوهم بعطفكم ومحبتكم,وأن تهبوهم النصر على الأعداء وأن تمنحوهم الصحة والعافية ليعيشوا مثات السنين تحت ظلكم ومن فضل نعائمكم، وهم يشمخون على أعدائهم وعلى أمم الأرض جميعا بقوتهم وبأسهم وبالرفعة والمجد ، آمين!! وشرب كأسه، فشرب كل من حضر.

‏وغنى مغنيهم بعض الوقت تصاحبه جوقة من رواة الأغاني التي تروي أمجاد أبطالهم الذين قضوا نحبهم في ساحات الشرف وحومة الوغى.

‏ثم وقف ( آشمز) وكان من المسنين ومن ذوي الآراء السديدة والأفكار النيرة يسديها للنارتيين عندما يجتمعون للتشاور وتبادل الآراء في أمر من أمورهم، وقف وبيده كأس مترعة بالخمر ، وأخذ يمدح من أولم وقدم هذا الطعام الشهي وهذا الشراب المصفى، بعد أن جمع النارتيين، صغيرهم وكبيرهم قويهم وضعيفهم، ودعا له بدوام عزه وقوته وطلب من الآلهة أن تطيل عمره. وشرب جرعة من القدح وقدمه إلى (سوسرقوا ) وهويقول له:

‏- نوكوا يا سوسرقوا!!.

‏- فأجابه: غوكوف

‏وتناول (سوسرقوا) الكأس وتحدث بما حضر من الحديث المناسب ثم شرب جرعة ووضع الكأس على المائدة، ومد يده وكشف الغطاء عن شيء كان أمامه، فبدا للناظرين ثلاثة أقداح جميلة جدا تبهر الأنظار ببريقها الذي يتلألأ على ضوء مشاعل العيدان ذات الروائح الزكية. وأخذ قدحا من هذه الأقداح وملأه من بنت الكرمة حتى أترعه وأعاده إلى المائدة وقال:

‏- هذه الأقداح التي تقولتم عليها شتى الأقاويل وأشعتم حولها مختلف الإشاعات وأني أقدم هذا القدح إلى من له ابن ذو أريحية ونجدة، إذ ا وقف بين الناس تحدث بما يشرف أصله وقومه ولا يخيب ظن من وثق به، ولا تأخذه المفاجآت ولا يغره عدو هرب في بداية المعركة, وتناول القدح عن المائدة وهو يقول ومن أنعمت عليه الآلهة بهذه السجايا وهذه الصفات، فليشرب ما في هذا القدح من الخمر وليأخذه هدية مني !!.

‏فتطلع الزعيم العجوز (وزرمس) حوله ثم قال :

‏- إن ولدي يتصف بهذه الصفات، ويتحلى بهذه السجايا ، ولكنه ليس بيننا اليوم لأنه ذهب يبحث عن شر لا بد منه، ولم يعد بعد!!

‏وقد فهم (سوسرقوا ) ما يعني، وأما القوم فإنهم نظروا إلى بعضهم باستغراب وتعجب وكأنهم يقولون في أنفسهم ماذا يعني هذا العجوز المأفون!!؟؟.

‏وقال سوسرقوا: أعادته إليك الآلهة موفقا وقد عثر على الخير وهو يبحث عن الشر!! اشرب ما في القدح أيها ( التحه مادة) وخذه مالا حلالا لك.

‏وتناول (سوسرقوا ) القدح الثاني وملأه خمرا وقال : وأما هذا القدح فإني أقدمه لمن في بيته امرأة لا تخيب من وثق بها ولا تخجل بعلها بانتهاك حرمة من حرمات العادات والتقاليد الموروثة!!.

‏وللمرة الثانية تطلع الزعيم العجوز (وزرمس) حوله، وعندما لم ينبس أحد من الموجودين ببنت شفة قال : أيها القوم ذهب ولدي الذي حدثتكم عنه ليخطب لنفسه أخت الأميرة الجميلة (أديك كواشا)، فإذا تزوجها ودخلت بيتي فإنها ستكون المرأة التي لا تخيب من وثق بها ، ولا تخجل بعلها يوما بانتهاك حرمة من حرمات العادات والتقاليد الموروثة.

‏وانتظر ( سوسرقوا) برهة من الزمن عسى أن يتقدم غير الزعيم العجوز ويدعي بشيء مما ادعى به، ولكن الموجودين ران عليهم الصمت والسكون، ولم يحر أحد منهم جوابأا!!. فقال سوسرقوا: اشرب أيها الزعيم ما في الكأس وخذه هدية مني لابنك!!.

‏وأخذ القدح الثالث وأترعه خمرا وقال : سأهب هذا القدح لمن في بيته امرأة في ذات نفس كريمة، ترحب بالضيف وتؤهل به وتطعمه وهي راضية هانئة، ولا يصرفها عن كرم الضيافة خصاصة أو غياب رب البيت عن الدار!!.

‏وعم السكون والهدوء!!. فالتفت (وزرمس) حوله منتظرا أن يقول أحدهم شيئا ولما طال انتظاره قال: لو تزوج ولدي أخت ( أديك كواشا ) ، لأصبحت زوجة صالحة تستقبل الضيف بالترحيب اللائق بامرأة زعيم منزعماء النارت، فتكرمه الإكرام اللائق به وتطعمه الطعام وهي راضية هانئة، ولن يصرفها عن كرم الضيافة خصاصة ولا غياب رب الدار!!!.

‏ولم ينتظر (سوسرقوا) أن يقول أحد من الحاضرين شيئا بل خاطب (وزرمس) باحترام وتجلة: أدعو لك الإله الأعظم أن يعود ابنك بعروسه، ليعمرا بيتك ويملأه بالأبناء الغر الميامين وبالبنات الجميلات النجيبات. وسواء أعاد ابنك بتلك العروس أم لم يعد فقد كسبت القدح الثالث لأن النارتيين أحجموا عن المطالبة به، فاشرب مافيه هنيئا مريئا وخذه لعروس ولدك الذي لا بد أنه مثل أبيه بحكمته وحصافة رأيه وثبات جنانه!!!.

‏وهكذا أخذ الزعيم (وزرمس) الأقداح الثلاثة فتوقفت الشائعات المغرضة التي كانت تشاع عن (سوسرقوا) وأقداحه الثلاثة!!.

‏وأما أخت (أديك كواشا)، فعندما نقلوا إليها ما قال عنها (وزرمس) العجوز،وما ذكره من أخلاقها العالية وصفاتها الحميدة، قبل أن يرى منها خيرا أو شرا ، فكرت مليا ثم قالت لنفسها : هذا العجوز الكريم الذي ينتظر أن أكون المرأة الفاضلة التي أعلن عنها أمام الملأ لن أخيب ظنه، ولن أهدم آماله، ولا بد أنه سيعزني ويكرمني إذا أصبحت عروسا لابنه الوحيد ولن يقبل يوما أن يدوس على طرف ردائي أحد من الناس حتى ابنه الوحيد، ولا بد أن هذا الابن سيكون مثل أبيه، فهذه العصا من تلك العصية.