لكل شعب شجرته التي يعطيها مالا يعطيه لغيرها فالبلوط عند الأوروبيين حاضر بتميزه وجوز الهند له في الهند قدسيته ( وقبائل الأجيبوا في شمال شرق الولايات المتحدة وكندا يرون في شجرة الفراولة طعاما جنائزيا ,ما أن يتناول منه الميت شيئا حتى تنقطع صلته تماما مع العالم الحي) وشجرة الأرز تخفق مع خفقان العلم اللبناني وقدسية ورق العنب انتقلت على صفحة العلم الكندي ,أما السلوفينيون فلقد اختاروا شجرة الزيزفون ليلعب الدور الهم في حياتهم وعيشتهم فتحت ظلالها يسيرون أمورهم المعقدة تماما كما كان الأديغا يعقدون اجتماعاتهم الهامة (الخاسه) تحتها وحتى الآن شجرة الزيزفون هي شجرة الميلاد التي أصبحت رمزا لتجدد الحياة عاما بعد عام في كل بيت وفي كل مدينة وبلد وعلى مستوى العالم ..النخلة رمز النصر العسكري عند الرومان وشجرة الزيتون هي الشجرة المقدسة لأكربول اثينا والى ما يتلقاه الفائز في الألعاب الأولمبية تاجا من أوراق الزيتون وما يكوب عاصمة جمهورية الأديغية في الشمال القفقاسي يعني سهل التفاح ..

 ( تقول الأسطورة الشركسية) :

“لما اراد تلبش إله الحداة عند الشراكسة ان يجد نهاية الأرض توسلت غليه حورية الشجار قائلة: لاتخطىء ياتلبش اذا كنت تريد المعرفة منحتها أنا لك فجذوري ممتدة إلى أعماق الأرض لذا عرفت كل شيء عما يوجد في باطن الأرض وشعري يتماوج في السماء لذلك اعرف كل شيء عما يوجد في السماء لاتوجد نهاية للأرض.. لم يصدق تلبش حورية الشجار مما جعله في النهاية يدفع ثمن عدم تصديقه لها تعبا وكدحا دون أن يقبض أي ثمن ..الشجرة تملك المعرفة وعلمها يتركز في الثمار المقدسة والمحرمة إلا على الآلهة لذلك نرى ابن آدم البشري يتجاوز شرط التحريم ويتناول ويتناول ثمرة المعرفة , أما تلبش سليل الآلهة فيتجاوز شرط التحليل ويرفض تناول الثمرة مفضلا اكتسابها بالتجربة فيقع الاثنان  في المحظور ليكون لهما الشقاء والتعب يرتفع الأول ويتدنى الثاني ليتعامل الاثنان معا في الساحة الإنسانية..يقول مرسيا الياد: (عن الشجرة ثمرة عجيبة تمنح في وقت واحد الخلود والمعرفة الكلية والقدرة الكلية وهي الثمرة القادرة على تحويل البشر على آلهة _وهذا ما يغضب الآلهة _أن يتطفل البشر عليها لقد أصبحت الشجرة تعبر عن كل ما يعتبره الإنسان الديني حقيقيا ومقدسا بامتياز وعد كل ما يعلم أن الآلهة تملكه بحكم طبيعتها الخاصة ولا سبيل إلى الوصول إليها إلا في حالات نادرة وإنما هم أفراد ممتازون وأبطال أوأنصاف آلهة).

لقد استغل آدم الحالة النادرة التي أشار إليها الياد ليقفز إلى ساحة المعرفة وحاول البطل السومري جلجامش الوصول إليها  ليفقدها بعد أن كاد أن يحصل عليها

..إن أساطير البحث عن الخلود والشباب تدور حول شجرة ثمرها ذهب أو ورقها عجائبي وهي شجرة توجد في بلاد بعيدة تحرسها هولة”عنقاء,تنين,ثعبان” ولكي تجني ثمارها يجب التصدي للهولة وقتلها وبالتالي الخضوع لتجربة مسار من النوع البطولي ومن يظفر بالثمرة يحصل بالقوة على الشرط الذي يتجاوز الشرط البشري شبه أفلا هي من الشباب الدائم والمتعة والقدرة الكلية).

وهاهو اوتوتونبشتم نوح السومري الذي امتلك الوصفة السحرية للخلود يبوح بسرها لجلجامش المهووس بفكرة الخلود (يوجد نبات مثل الشوك في المياه ,غنه كالورد شوكه يخز يداك كما يفعل الورد ,فإذا ما حصلت يداك على هذا النبات وجدت الحياة الجديدة)

**ولم تكن نبتة الحياة عند البطل النارتي ساوسروقة ببعيدة (عندما راى ساوسروقةجثة حبيبته نارت جان ألقى بنفسه فوقها وبدا بالنحيب صامتا بعد مرور بعض الوقت خرج من ثقب في قعر  اللحد ثعبانان راحا يتقتلان حتى قتل احدهما الاخر ,اختفى الثعبان القاتل إلى جهة غير معلومة وبعد قليل عاد بورقة خضراء مسح بها الثعبان الميت فارتدت غليه الروح واختفى الثعبانان أخذ ساوسروقة الورقة الخضراء وراح يمسح بها جان الميته وماكاد ينتهي مسح جثتها حتى انبعثت فيها الحياة وأفاقت )

إنه لمن الطبيعي أن تتحول النسبية الواقعية في الأسطورة إلى مطلق فالبطل يتحول إلى إله والنبتة الشافية تمنح الخلود ..ولكن ياللمصادفة!! أو ربما هو تقاطع ثقافي تطابقت فيه أسماء الأماكن فحية جلجامش التي سرقت من البطل نبتة الخلد في جنة دلمون السومرية ظهرت في القفقاس حيث سادت حضارة الدولمن لفترة طويلة لترشد البطل النارتي إلى طريق الخلود أو ربما لم تبارح الحية مكانها وإنما كانت هناك دائما في دلمون القفقاسية التي بقيت في ضمير الشعب السومري على أنها الجنة التي غادرها ..بعد إن استحوذت الحية على سر الخلود تحولت على رمز عالمي للشفاء والخلود وأصبحت تزين واجهات جميع المستشفيات والصيدليات وأختام الأطباء وهي على علاقة وثيقة علاقة التحام مع الشجرة التي تحولت في الوجدان الشركسي والعالمي عموما إلى شجرة تهب الخلود والمعرفة

تقول الأسطورة:(   كانت لشجرة التفاح الذهبية التي يملكها النارتيون صفات عجيبة فقد كانت في ضمنها تفاحة واحدة كل عام تكبر قليلا في الشهر الستة الأولى من العام وتتقلص قليلا في الشهر الستة التالية ولم تكن هذه التفاحة تشبه التفاحة الذهبية الملونة اليومية كانت أحلى مذاقا وأكبر حجما واقسى وكانت السيدة ستناي قد جربت فوائد هذه التفاحة كان الإنسان الذي يتذوق التفاحة يصبح طيب القلب منشرح الصدر ويعود غليه شبابه يوما بعد آخر كانت التفاحة تعيد على عمر افنسان بمقدار ما ينقصه من الزمن من عمره لم يسمع أحد أبدا أن ستناي هرمت كانت تذهن وجهها بلب التفاحة البيض الذي يشبه الزبدة فتغدو بيضاء كالثلج كانت تسلق قشرة التفاحة وكل من يشرب من مغليها يمل الفرح قلبه والطيبة تصبح من طبعه ويغدو رحيما ولقد قام” يمنج “المخلوق الأسطوري الذي يجسد الشر بقطع شجرة النارتيين هذه ويقال لو دامت لهم تلك الشجرة لبقي النارتيون أحياء على اليوم وهو في ريعان شبابهم )

التفاحة لها العمل الأسطوري حتى في واقعنا  المعاش فهي التي سقطت بين عيني نيوتن لتصيبه بالصداع قليلا ثم ليكتشف قانون الجاذبية وتفاحة غليوم تيل أصبحت رمزا لاستقلال سويسرا وهي اليوم شعار إحدى شركات إنتاج الكمبيوتر ومايكوب هي سهل التفاح هذا إذا ما أسقطنا من عين الاعتبار تفاحة آدم الكونية التي يدور حولها نقاش مزمن .

تقول الأسطورة:( كان النارتيون يمتلكون شجرة ذهبية تلك الشجرة الذهبية لم تكن عادية فكل يوم كانت تحمل تفاحة تنضج في المساء ولتلك التفاحة صفات عجيبة كان نصفها احمر ونصفها الآخر ناصع البياض

المرأة العاقر ..ماإن تذوق النصف الأبيض حتى تضع بنتا ..شعرها بلون الحرير..وما أن تذوق العاقر من النصف الأحمر ..حتى تضع ولدا ابيضا .وولدا نارتيا ) .
الشجرة بشكل عام هي رمز لمجمل الطبيعة والكون ويشار إليها تحت إسم القطب الكوني الواصل بين العالم التحت ارضي بجذورها والسماء بفروعها )

هذا ما حاولت حورية الأشجار أن تقوله لتلبش وهي المتجددة دائما تتخلى عن أوراقها في فترة موت مؤقت لتعاود الحياة من جديد كالحية التي تخلع جلدها كل عام وكالقمر الذي يكبر حتى يستدير ثم يصغر حتى يختفي تماما مثل تفاحة ستناي العجيبة ..

من الواضح أن الشجرة والحية والقمر ما هي إلا رموز الم الكبرى عشتار والشجرة هي الطبعة القد\م التي أقدم ا لإنسان على التقرب منها (ولم تكن عبادته موجهة نحو الشجرة بذاتها بل نحو الروح الكامنة فيها)

لقد كان شبلة اله الرعد والعاصفة كبير الآلهة الشركسية يفرغ روحه في الشجرة على شكل صاعقة يطلقها بشوكته الثلاثية لتصبح الشجرة خارج حدود الزمان والمكان المعهودين ويصبح التعامل معها ليس كالتعامل مع اية شجرة إذ يدور الإنسان حولها حاجا ثم تتحول دوراته على طقس تعبدي ويتجذر الطقس ليدوم على شكل رقصة دينية ويتحول الحرش حيث الشجرة على حرش مقدس ويصبح هذا الحرش مكانا للتعبد له حرمته يجد فيه المستجير امانا والهارب ملاذا وتصبح الشجرة المقدسة مركز استقطاب عندها تعقد الأحلاف ويتعاهد المتعاهدون وتحت ظلها يتم أداء القسم والويل لمن يحنث بالقسم وكان المحاربون والصيادون يعلقون على أغصانها الهدايا والتقدمات المتنوعة وكذلك أسلحتهم لتباركهن الشجرة لتصبح أكثر فاعلية عند التعامل مع الطريدة أو العدو هذه الشجرة التي سماها الشراكسة (فودشو) كانت لها مثيلتها عند العرب :

(شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط وكانت قريبة من مكة كما ذكرها ياقوت يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعتكفون عندها يوما ..وكان لعرب نجران نخلة طويلة يأتونها كل سنة في يوم معين فيعلقون عليها الثياب والحلى النسائية ويعتكفون عليها طيلة يومهم)

اعتقد ان شبلة هيمن على الشجرة بصاعقته الذكرية فيما بعد ويمكن القول ان شبله اغتصب من الشجرة قدسيتها الطبيعية التي تحلت بها كرمز لتجسيد روح الخصوبة والحياة فلقد كانت موضع تقديس قبل انقلاب الذكوري (إذا كانت الآلهة ديانا الرومانية تتجسد وكذلك ارتيمس آلهة روح الغاب والبراري والينابيع في الثقافة اليونانية تلك الآلهة التي لم تكن تقبل في أحراشها المقدسة لخدمتها إلا الفتيات العذراوات والويل لمن يفقد منهن بكارتها ) والمحاربات الأمازونيات كن تعبدن ديانا وارتيمس وستناي عشتار الشركسية قبل أن يأخذها شبلة كشجرة وقبل أن يتنكر على هيئة الراعي ويتحد معها عند النهر لتلد له ساوسروقة ولتتنازل له عن كثر من رمز إلهيتها ..إن ارتباط الشجرة بشبلة واضح من خلال طقوس استجلاب المطر فلقد كانت من عادة الفلاحين في روسيا(على مطلع هذا القرن الذهاب إلى الغابات وسط الغاني والأهازيج فيقطعون شجرة غضه من شجر البتولا ويضعون عليه ثيابا نسائية يزينونها بالشرائط الملونة ثم يعودون بها إلى القرية فيضعونها في أحد البيوت طيلة فترة العيد حيث يترددن عليها كضيفة شرف وفي اليوم الأخير يمضون بها إلى النهر فيلقونها فيه).

هذا الطقس ماهو إلا التوأم للمارسة الشركسية لاستجلاب المطر والتي كانت بطلته الآلهة “حانتسه غواشه” التي كانت تتجسد في غصن شجرة وتتزين بالملابس لتدور على جميع المنازل في القرية وكان الجميع يبللها بالماء حتى إذا انتهوا منها وضعوها في جدول ماء ..

لقد كان الروسي والشركسي يريدان عن طريق الشجرة استجلاب عطف شبلة ليفتح عليها صنابير مياه السماء عليهم ..( لقد خرجت عشتار من الشجرة في شكلها الإنساني الجميل فحفرت على الجذوع وصارت تعبد شجرة وشكلا إنسانيا مصورا ثم غادرت الشجرة تاركة محراب الغابة الصغير وحلت في التماثيل الرخامية التي تتصدر معابد المدن الضخمة ولكن الشجرة لم تفارقها تماما بل بقيت في كثير من الأعمال الفنية التشكيلية) .لقد جعلنا الشجرة حطبا لطمعنا وأزلنا الغابات ومسحنا غوطتنا لترتفع البنية الإسمنتية شاهدة على عمق الفجوة بين الإنسان والطبيعة وما الاحتفال بعيد الشجرة سوى غمامة عابرة تغسل أمطارها جريمتنا بحق تلك التي كانت تمثل الرمز الأهم للخلود والمعرفة

المصدر : بشار ابراهيم حلاو