رغم مئات السنين التي تفصلنا عن بدايات أساطير نارت الشركسية التي شكلت بأحداثها وتفاصيلها شخصية الإنسان الشركسي وأضفت على سماته ملامحه المتميزة ء وطبعت سلوكه ومواقفه بطابع الأرض التي نشأ وعاش عليها منذ آلاف السنين, فتمازجت روحه مع صلابة وشموخ القمم الشاهقة ونصاعة الثلوج الأبدية, وعنفوان النسور المحلقة وعمق الأودية السحيقة وصخب المياه الهادرة وسلاسة الجداول المنسابة وألق الأزهار المتناثرة على السفوح ما زالت هذه الأساطير تدفئ روحنا وتفني حياتنا بالقيم الإنسانية الرفيعة.

‏ففي هذا التراث الثقافي العريق نتفاعل الأحداث الغنية ويتبادل الرجل والمرأة فيها أدوار السلطة متماشيا مع التطور البشري ويتكون هذا الموروث الشعبي الذي هو بالإضافة لكونه مرآة لفكر وأسلوب حياة الشعب الشر كسي في البدايات الأولى لوجوده فهو الجذر لأعرافنا وتقاليدنا الأصلية إذ لا يغفل القارئ لهذه الأساطير عن التشابه بين ما يرد في النصوص النارتية وبين عادات الشراكسة كأنماط التربية وأصول الضيافة وقواعد توزع المسؤوليات وفي أمور أخرى كثيرة.

‏وبما أن قراءتنا ستقتصر على المرأة فيحسن بنا قبل أن نبحر في أعماق الماضي البعيد أن نتوقف عند بعض النصوص المعاصرة عن الماضي القريب التي تلقي الضوء على دور ومكانة المرأة في المجتمع الشركسي.

‏يكتب الأديب الكببر كراشة تيمبوت (في كل زمن وجدت نساء جمعن في شخوصهن كل خصال الفضيلة المتعارف عليها واجهن مآسي الحروب المتلاحقة التي ابتلي بها شعبهن وويلاتها بصلابة وجلد لا حدود لهما وبالتضحيات المنقطعة النظير والحكمة كن قادرات على حماية أسرهن لاستمرار بقائها دون أي شكوى أو تذمر بل كن المشعل الذي ينير ظلمة الأوقات العصيبة ويبقين وميض الأمل والفرح متوهجا في نفوس أفراد الأسرة للتغلب على المحن التي عانى منها الشراكسة دوما ). ويذكر الباحث والكاتب شورتن أسكربي :

‏من المعروف أن من أهم قواعد وأسس العادات الشركسية أنها تحفظ للأكبر سنا من الرجال المكانة الأوفر وتبوئه المقام الأول ويتساوى في التقيد بما بيديه من رأي قول الرجل والمرأة كلاهما ومع ذلك فإن هذا الكبير كان لا يتوانى عن الاستجابة لرجاء امرأة ولو تطلب الأمر التضحية بالنفس ورغم أن العادات ما كانت لتقدم أحدا على كبير السن فإنه كان مستعدا أن يقدم المرأة على نفسه تقديرا لمكانتها وقد استطاعت المرأة الشركسية أن تضمن هذه المكانة لنفسها بفضل سلوكها وتصرفاتها التي كانت تنبع من احترامها لنفسها.

‏ومن خلال سطور هذين النصين المعاصرين المفعمين بعبق الأصالة نبدأ رحلتنا في القراءة عن المرأة في النصوص النارتية ونصل نسيج الحاضر بالماضي حيث أن هذا الحاضر ما هو إلا انعكاس لذلك الماضي

‏لابد في البداية من أن نشير إلى ما يبدو جليا لكل الباحثين من تعدد الروايات للنص الواحد ويعزون ذلك إلى كون هذه الروايات قد وصلت إلينا مروية شفويا على لسان الرواة على مر العصور ولوجود عدد كبير منهم في كل عصر ولاختلاف ملامح وقيم كل حقبة روت فيها.

فإن هذه النصوص قد تعددت ودخلت عليها تعديلات متلاحقة وأكثر ما يلاحظ ذلك الاختلاف بين النصوص التي تعود إلى عصر سلطة الأم وتلك التي تعود لعصر سلطة الأب اللاحقة وهذا الاختلاف بين النصوص بشكل عام ينطبق أيضا على تلك التي تتعلق بالمرأة خاصة وما أن تذكر المرأة حتى يتبادر إلى الذهن فورا اسم السيدة ستناي كواشة.

 

‏إن شخصية ستناي معروفة من قبل كل قبائل الشراكسة كما أن اسمها متداول في كل لهجاتهم كاسم علم ويطلق في الوقت ذاته على زهرة مميزة تعبر عما كانت تتحلى به ستناي من صفات نادرة. وفي قراءتنا للنصوص المتعلقة بستناي كواشة التي سنوردها حسب مقتضيات دورها في حياة النارتيين ومواقفها وصفاتها سيتجلى لنا من خلال الأحداث سمات الفترة التي تنتمي إليها.

‏في عصر سيطرة الأم (سلطة الأم) تظهر النصوص تدخل ستناي في كل شؤون النارتيين, ويبدو ذلك أكثر وضوحا في النصوص المتعلقة بسوسروقة الذي يستشيرها في كل الأمور ويخبرها بكل ما يحدث معه.

‏أما في فترات الصراع ما بين عصر سلطة الأم وعصر سلطة الأب تختلف أساليب الروايات وتكثر فيها النصوص التي تنتقص من شخصية سوسروقة الذي يعتمد على أمه ء وتظهر ملامح هذه الفترة في النصوص المتعلقة بشباتينوقة (بدانوقة) وفيها يتراجع دور ستناي.

‏أما في النصوص التي تتعلق ببترز بن خمش أو شواي فلم يعد لستناي دور تقوم به , إذن ففي هذه الملاحم النارتية التي تزخر بأسماء العديد من النساء, فإن لستناي كواشة منزلة مميزة خاصة فهي أم النارتيين وهي التي ربت أبرز الأبطال( سوسروقة – شباتينوقة – أشمز)وهي التي إلى ذلك تجسد في شخصها اجتماع الجمال والموهبة والذكاء وبالإضافة إلى أنها تتمتع بجمال أزلي لا يوصف فهي خارقة الذكاء تشرح للأبطال ما يخفى عليهم وهي أول من يدرك ما يستجد في العالم من أمور وهي التي تقرأ المستقبل وتملك أسرار كل الأشياء وخير عون للنارتيين في أوقات الشدة وفي اللحظات الحرجة كما أنها تستطيع السيطرة على الطقس وعلى الشمس نفسها ولكلماتها من القوة ما يجعل كل ما تنطق به حقيقة.

‏وهذه بعض سمات الآلهة في الأساطير ولكن ليس في النصوص ما يشير إلى أنها كانت تمجد كواحدة من الآلهة أو أشباه الآلهة بل يمكن اعتبار أنها تجسد بقايا تصورات عن آلهة قديمة كما يذكر معظم البا حثين. وتقدمها أكثر النصوص على أنها زوجة وزرمج بطل الأبطال , لكن تاريخها الشخصي غير كامل إذ لا يرد الحديث عن أبويها أو ميلادها حتى في النصوص القليلة التي تتحدث محن اختطافها. وفي بعض النصوص تقرن ستناي بالشمس وفي هذا النص بعنوان زهور ستناي ما يوحي بأنها الشمس بعينها :

كل أفكار العالم من صنع يديها

وكل الجمال في الكون كان صورتها

كانت شريكة بطولاتنا نحن النارتيين

وعندما يهاجمنا العدو كانت ضرباتها تصد العدو مع ضرباتنا

‏وفي البراري كانت دليلنا إلى مواطن الخصب

‏شمسنا في النهار وكانت قمرنا في الليل

تلك الأزهار ا لتي ترونها هدية منها

‏فقد نبتت من أجل ستناي

‏إنها تزهر من أجل ستناي

‏فقد كانت السيدة تبدو في أبهى زينتها مرتين في اليوم فهذا النص هو أصدق تعبير عن نظرة النارتيين لستناي كواشة ومنزلتها الكبيرة عندهم, ويبدو أن ستناي كانت المسيطرة ( رمز للأم)وكانت تحتل المكانة الأولى في عصر سيطرة الأم فهي أم النارتيين وأم سوسروقة.

‏ومن بين النصوص الكثيرة حول ولادة سوسروقة نختار هذا النص :

‏(وهنا لابد أن ننوه إلى أن كل موروث سواء كان مكتوبا أو شفهيا فإنه يحمل نكهة خاصة تتجلى فيها خصائص الشعب الذي أنتجها فيصعب الإبقاء على هذه المضامين بذات النكهة لدى ترجمتها وخاصة النصوص الشعرية التي تعتمد في صياغتها على خصوصية اللغة الشركسية وسماتها التي تضفي على النصوص روح الشعب ويسهل عليه بالتالي حفظها وتداولها.

‏ ‏كانت ستناي تغسل على ضفة نهر كوبان وكان راعي النارتيين واقفا إلى الجانب الآخر من النهر وهو يرعى الأبقار وعندما رآها اقترب من الضفة المقابلة وأخذ ينظر إليها, كانت فائقة الجمال فجمدت نظراته عليها.

‏- هيه يا ستناي الجميلة ´ يا أجمل ما رأت عيناي ا .. انظر نحوي ولو مرة واحدة.

ناداها الراعي وعندما نظرت نحوه رأته متقدا كالنار وأحست هي بأن شرارة قد اشتعلت في قلبها ولم تعد قادرة على الوقوف فجلست على حجر عند ضفة النهر وعندما أنهت غسيلها وأرادت الانصراف ناداها الراعي مرة أخرى :

‏- إيه يا ستناي الجميلة ا .. يا أجمل الجميلات .! .. بذكائك يهتدي الرجال لماذا تتركين الحجر الذي كنت تجلسين عليه خذيه معك.

‏أطاعت ستناي كلام الراعي وأخذت معها الحجر ومن هذا الحجر ولد سوسروقة.

 

‏ونرى هنا أن نعقب على هذا النص بنص يوضح موقف النارتيين من ستناي ومن ولادة سوسروقة :

‏” يتداعى النارتيون وينطلقون لزيارة ستناي التي عم صدى مآثرها البر والبحر ومن لم يرها يسأل عنها ومن رآها يروي أخبارها باهتمام أكبر أليس واضحا للعيان الآن أنه بالإمكان ظهور إنسان منها يرضي طموح الشراكسة, ألم يسطع نور ستناي كأعجوبة كبرى”

‏ويستمر النص في مديح ستناي وبأن ما حدث معها لم ترو الأخبار أن مثيلة له قد ظهر في الدنيا كلها إلى أن يقوم شباتينوقة ويقول :

( ‏لا يوجد مثيل لستناي, ولم يظهر بيننا مثيل لها من قبل ولن يظهر بعدها، لكننا يجب أن نلقي نظرة على وليدها الذي ( وضعته) أخرجته من الحجر واتخذته ابنا لها.

‏وحين يقابلونها يسألونها بمنتهى اللباقة :

‏- كيف حالك .! .. ما أبهى نورك !… ما أنصع بياضك ! ما أكبر خلفك وما أحسن طالعه ! أنت منا العين والروح, كل أمورك تشغل بالنا وأنت اليوم جديرة بعقل لا يخطئ وبملك لاينتهي.

‏وفي هذه الأثناء تتقدم السيدة ستناي إلى الأمام قائلة :

‏- أعدكم بأن أكون عند حسن ظنكم وأن يدوم ويعيش بينكم حسن الطالع هذا الذي تحدثتم عنه بالخير والبركة )

‏يرينا هذا النص كيف يتقبل النارتيين قدرة هذا الطفل دون التطرق إلى الأب ونظرتهم إلى ستناي بإجلال ويرون فيها الصفات الكاملة ويثقون بحكمتها وعملها بشان تربية ابنها ليكون نارتيا حقيقا كيف لا وهي البق تصف النارتي قائلة :

‏النارتي الحقيقي شجاع

فارس مقدام

‏ذو شارب لا يهاب, لا يغفر الظلم

لا يتعب في طريق

‏إذا أمسك الحصان (الشاغدي) يصبح ملكه

‏لا يفلت منه ما تقع عليه عينه

ولا يسلم من يمسك به

‏لا يهدأ في مكانه, الأرض فراشه والسماء لحافه

‏النارتييون الكبار السبعة يقرون بسيادته أمطار السبعة أيام بلياليها قوته

‏ولا شفاء لمن يطعنه ومديدة هي حياته

‏هي هنا رمز للأم التي تغرس في وليدها قيم الشجاعة والبسالة والمروءة وتنشؤه تنشئة البطل الذي يمتلك من القوة الجسدية والنفسية ما يجعله يستهين بكل الصعاب.

‏ومن النصوص التي تشير إلى اعتبارها أما للنارتيين :

‏إن ستناي كانت هي من قطع حبل السرة لأطفال النارتيين حين يود لون ويطلبون منها أن تغسل المولود، إن كان بنتا لتغدو جميلة وإن كان ولدا يطلبون منها أن تمنحه الفطنة والذكاء, وحين غضبت ستناي من فاقوه دانة ورفضت أن تقطع سرة ابن أختها ولم تمنحه الفطنة قائلة فليبق ابن العجوز الشريرة غبيا, توجهت فاقوه دانه إلى لبش الحداد الذي قام بهذه المهمة.

 

‏وعند ذلك يرينا النص كيف أن ستناي دافعت بقوة عن سلطتها ودورها في المجتمع فتواجه لبش غاضبة :

‏- أمن مهماتك منح الفطنة ؟ لماذا تتدخل في أعمالي وتمارس عملا ليس من اختصاصك ودعت

‏-أرجو أن يبقى كل من يمنحه لبش الفطنة غبيا وأن لا ينقذ ما يقوله ولا ينجز له عمل وان تتقلب أدعيته إلى لعنات ما دام على هذه الدنيا.

‏كما أن شخصية ستناي تتحلى بالحكمة والذكاء لذا يلجأ النارتيون إليها طلبا للمشورة في كل حين وبطل النارتيين سوسروقة يعود دوما إلى أمه يسألها النصح فلا تبخل عليه بذلك بل تستعمل قدرتها الخارقة لتساعده وتنجده في لحظات الخطر، وحين يرغب سوسروقة في حضور مجلس النارتيين فإنه ينقل رغبته أولا لأمه كي تتوسط له لدى النارتيين فتجيبه :

‏يا ولدي الوحيد سوسروقة كل شيء بأوانه دعني أذهب إلى النارتيين وأنبئهم بأخبارك وأرجوهم أن يقبلوك في مجلسهم وبحسب ما يجيبون يكون تصرفنا.

‏ولكن ستناي التي لا تجهل قوانين النارتيين لا تؤمل ولدها بل تقول له :

‏- ولكن اعلم يا ولدي أن النارتيين عندهم قواعد صارمة يتبعونها مع الجميع فهم لا يسمحون لمن لم يدعوه بأنفسهم بحضور مجلسهم.

‏هنا هي متمسكة بهذه القوانين وتحترمها وتريد من ابنها أن يحترمها ولكنها ستحاول معتمدة على أخبار بطولات ابنها وحين تذهب إلى مجلس النارتيين وتدخل عليهم يقف الجميع ويستقبلونها بعبارات المديح :

‏يا فائقة الجمال يا ابنة النارتيين يا ستناي

‏يا أمير ة النارتيين يا من تحفظ العادات والتقاليد

يامن لا يفوتها أي حدث تفضلي قولي أطال الله عمرك

‏وحين تعرض عليهم طلبها يصمت الجميع فيسارع رئيس المجلس (التحمادا) في اتخاذ القرار ورد الجواب قائلا :

‏- جرت العادة أن يرد على سؤال المرأة فورا فلا تدعوا ستناي واقفة تنتظر ويكون الجواب بعدم القبول كي لا تخرق العادات والقوانين رغم تقديرهم لمكانتها ومنزلتها كما يتبدى في استقبالهم لها والوقوف احتراما لها ( احتراما للمرأة) ونلاحظ كيف يستعجل الرئيس أفراد المجلس كي لا يطول انتظار السيدة.

‏ومرة أخرى يلجأ سوسروقة إلى أمه ليعرف مكان ( ‏يمنيج) الذي سرق البذار من النارتيين وحين تسأله عن السبب يجيب :

‏- سأذهب لاستعادة البذار منه, فتجيبه : إذا كان الأمر كذلك فما أسمعه كلام رجل وسأساعدك وسأدلك على مكان يمنيج لأنها تعرف كل شيء .

‏وكل مواقفها مع ابنها دلت على الحزم والصرامة والقوة فحين عاد مرة وهو حزين مهموم محاولا إخفاء أخباره على غير عادته جابهته بحزم وأقسمت بحق السماء أن تقتل نفسها إن لم يخبرها بما حدث.

‏عند ذلك يرضخ سوسروقة ويخبرها بأنه قد لحقته إهانة وحين تسأله عن مواصفات الفارس الذي واجهه تعرف بأنه ألبتشوقوه توتارش فتخاف عليه من القتل على يد ذلك الجبار إذا كان قد وعده بالنزال في اليوم التالي ولكنها لا تريده جبانا متخاذلا فتقول له:

‏- هيا اذهب يا وحيدي ولا تتخلف عن الموعد فلم يخلق نارتي يفعل ذلك ولا تعد حاملا العار لي ولك

وتنصحه بكل ما يجب أن يفعله حتى ينتصر وكانت قد احتاطت بكل السبل لتجعل سوسروقة ينتصر بالاتفاق مع فرسه تخوجي وتهديده بأن تجعله طعاما للكلاب إن لم يساعد سوسروقة على إحضار رأس توتارش فيذهب وينتصر.

‏ولم يكن سوسروقة وحده من بين النارتيين الذي يستشير ستناي كواشه فإليها يلجأ وزرمج طالبا النصح فيما يجب أن يفعله ليقتل باقوة شيبه الإله الذي غضب من النارتيين وقطع عنهم المطر فساد الجفاف أرض النارتيين.

‏وستناي التي تعرف الغيب وما سيحدث – يقول النص- تطلب منه أن يلسع حصانه بنلاث ضربات من سوطه كي ينطلق به كالريح ويصعد إلى السماء فيفعل كما نصحته ويصل إلى حيث بنى باقوة لنفسه بيتا كالعنكبوت في السماء فقتله وبعد ذ لك هطل المطر ممزوجا بالدم لمدة سبعة أيام فعاد الخصب إلى الأرض وستناي هنا تمثل العقل الذي يوجه القوة ويعيد الخصب ويؤكد كما في أغلب النصوص أنها تعرف كل شيء كما أن الحداد لبش يستشيرها فيما يجب أن يفعله بعد أن صنع للنارتيين كل ما يحتاجونه ولم يعد يجد ما يفعله وأصابه الملل.

‏فيذهب إليها قائلا : يقولون أنك أعقل السيدات, فكري لي بشيء أعمله.

‏فتجيبه : لقد صنعت كل ما يحتاجه الإنسان من أدوات انطلق الآن وسافر لتجوب الآفاق وترى كيف يعيش الناس واجلب معرفة للنارتيين وستجد شيئا حديثا إذا لم يكن الإله قد تخلى عنك. علما أنها في كثير من النصوص كانت العقل المبدع المبتكر وتساهم في التقدم .

‏نرى هنا كيف أن ستناي كواشة تمثل الفكر التواق للمعرفة والتطور لإغناء خيرات شعبها, وفي هذا ما يوحي بامتزاج الثقافات والمعارف بين الشعوب.

‏وستناي كواشة تمتلك قدرات خارقة تقرأ المستقبل وتملك أسرار كل الأشياء فهي كانت تعرف أن مجلس النارتيين سيحاول التخلص من وزرمج بقتله لذا عمدت إلى تربية شباتينوقة في مخبأ تحت الأرض وأعدت له الحصان والأسلحة ولم تنس الكلب والصقر وأخرجته في الوقت المناسب من مخبئه وأرسلته لينقذ أباه ورزمج ويعيده ‏إل بيته.

‏كما أن ستناي كواشة كانت هي التي تعرف سر الخلود من خلال احتفاظها بسر التفاحة العجيبة التي كانت تنمو على قمة شجرة التفاح الذهبية التي يملكما النارتيون مرة كل عام هذه التفاحة التي كانت تكبر في الأشهر الستة الأولى من العام وتتقلص قليلا في الأشهر الستة التالية وكانت هذه التفاحة أحلى مذاقا وأكبر حجما من التفاحة الذهبية اليومية ولما كانت تعرف خواصها السرية فقد كانت تقطفها مع بداية قدوم البرد في كل عام تحسبا لما يمكن أن يقع من حوادث فكانت تداوي بها فمن يذوق من هذه التفاحة يصبح طيب القلب منشرح الصدر ويعود إليه شبابه يوما إثر يوم وكانت التفاحة تعيد إلى عمر الإنسان بمقدار ما ينقص من العمر فلم يسمع أحد أبدا بأن السيدة ستناي قد هرمت أو وهنت قواها أو تجعد وجهها فقد كانت تدهن وجهها بلب التفاح الأبيض الذي يشبه الزبدة فتغدو بيضاء كالثلج ووجهها ناعما أملس كالمرأة وحين رفضت أن تعالج يمينج لأنه كان قد مارس كثيرا من الظلم بحق شعبها فقد جاء ذات ليلة خلسة فقطع شجرة النارتيين الذهبية ففقدوا الخلود.

‏ومن الصفات الخارقة التي كانت تتمتع بها ستناي كواشة أنها كانت تستطيع السيطرة على قوى الطبيعة وهذا يتضح لنا فيما يقال بأن الشمس في لحظة معينة في المساء تلبث في مكانها بعض الوقت وذلك يحدث لأن ستناي كواشة وشابا نارتيا يافعا يقول النص – تجادلا وتنافسا فهي قالت أنها تستطيع أن تنسج وتخيط لباسا شركسيا كاملا في يوم واحد وهو قال أنه يستطيع أن يصنع سرجا وجلسا طوال النهار منهمكين في العمل الذي ألزم كل واحد نفسه به.

‏وحين مالت الشمس للمغيب وقدرت ستناي أنها قد لا تقدر إلى إنهاء ما بقي لها من عمل قبل غيابها قالت: أيتها الشمس ليتك تتريثين بعض الوقت. وتريثت الشمس وأنهت ستناي عملها.

‏ وأما فيما يخص ما قاله النارتيون عن الماء كالروح .

‏لقد كانت ستناي سببه أيضا فيقال أنه لفت نظرها جمال نبتة برية على حافة الغابة عند ضفاف نهر بشز وأحضرتها إلى بيتها وغرستها لتكون متعة للناظرين ولكن الزهرة ذبلت في اليوم الثاني فحزنت ستناي كثيرا وأعادت المحاولة ثانية علها تنجح في هذه المرة ولكن النبتة ذبلت أيضا وبعد المحاولة الثالثة حين ذبلت النبتة ندمت ستناي قائلة كان علي أن أبقيها حيث كانت وفجأة تراكمت السحب في السماء وهطل المطر وفي اليوم التالي دهشت ستناي حين رأت أوراق النبات قد استعادت ألقها وحيويتها وسرت الحياة في عروقها.

وفي كل ما كانت تقوم به ستناي لم تكن الحكمة تنقصها ولكن كثيرا ما كان دهاء المرأة يلازمها وأكثر ما يتبدى لنا ذلك من خلال النص الذي يتحدث عن زعيم النارتيين زوجها الذي كان حين يعود من غزواته يقوم بتوزيع المواشي على سكان القرية جميعا وحين كان ينتهي من ذلك ويعود إلى بيته كان الناس المجتمعون يقولون : إنه لا يفوقنا في شيء ولكن زوجته ستناي هي التي تدفعه للقيام بمثل هذه الأعمال الجليلة والفضل كله يعود إليها في كل ما يفعله وكان زوج ستناي يسمع ذلك ويتجاهله ودام الحال هكذا عدة سنوات ولكنه واجهها في إحدى المرات قائلا : علينا أن نفترق بالطلاق يا ستناي لأن الناس يعزون إليك كل مظاهر البطولة والرجولة التي تصدر عني وسمح لحها أن تأخذ معها أحب الأشياء إلى قلبها وعند ذلك تستسمحه أن تقيم وليمة لآخر مرة تودع فيها الناس الذين عاشت بينهم وأحبتهم وأحبوها وفي أثناء الحفل تطلب من الناس أن يرغبوه بالشراب إلى أن يغيب عن الوعي وفي تلك الأثناء طلبت تجهيز عربة حمل إليها زوجها وصعدت هي إليها وغادرت البلدة وفي الطريق استعاد زوجها وعيه وسألها : اين نحن وما الذي حدث , قالت : لا شيء. بما أنك الأحب إلى قلبي فقد حققت رغبتك بأخذك معي. فأجاب : أنت أكثر دهاء مما يقال عنك ورجع وإياها إلى بيتهما.

‏إن مجمل الصفات التي كانت تتحلى بها ستناي تجعلها موضع ثقة النارتيين وتروي لنا بعض النصوص كيف أنهم اختاروها زعيمة لهم ولم يجدوا في ذلك ضيرا ولا حرجا

فحين أخذ الناس الذين كانوا تحت إمرة جاكأج يتذمرون من الظلم الذي يلحقه بهم تحايلوا للاجتماع فيما بينهم وتوصلوا إلى قرار اختيار السيدة ستناي وطرد الزعيم جاكأج.

‏وتحدثت الأسطورة بعد ذلك كيف جمع إلزعيم حوله بعض الأنصار ليشكل جيشا فتجابهه ستناي بجيش قوي يكاد ينتصر على جيش الزعيم الذي يضطر للاستنجاد براعي الخنازير لينتصر عليها.

‏ولكن كيف تنهي الأساطير حياة ستناي كواشة التي بانتهاء حياتها تنتهي حياة النارتيين أيضا إذ أنهم هلكوا بعد أن فقدوها. تقول الأسطورة أن نسرن بن صوقال النارتي رفض أن يعتبر ستناي أماً للنارتيين وأن يستمع لنصائحها قائلا : إذا كنا رجالا فيجب أن يكون لنا زعيم نسأله ويشير علينا ونطيع أوامره ( وفي هذا تعبير عن رغبة الجماعة في التحول من الثقافة الأمومية إلى الثقافة الأبوية ).

‏وحين سمعت ستناي بذلك تأثرت تأثرا شديدا فجمعت أمتعتها ورحلت إلى أطراف (قنجالشحة)حيث كان كبار السن يلقون حتفهم وما حصل بعد ذلك يؤكد لنا أن النارتيين كانوا يعتبرون ستناي رمزا للخصب المرتبط بالماء فبعد اختفاء ستناي مباشرة يحل الجفاف الشديد بأرضهم فخفت المياه الجارية وشحت مياه الينابيع. ويروى أن النارتيين كانوا يجتمعون كل عام مرتين عند سفح م قنجالشحة م في موعد تفتح زهور ستناي ويقيمون الاحتفالات لذكراها وكانوا يرفعون أصواتهم بالغناء ويرددون مرثية ستناي والنشيدالمكرس لمديحها :

‏ولي ولي يا زهرة مرفرعة الرأس

عيناها الفيروزيتان مضيئتان كنجمتين محاطة بإلحريرالمذهب

يامهجة الأعين

ياحاملة الأفراح

‏يا هبة بطولات النارتيين

يا زينة الحياة

‏إنك تسلبين قلب كل من ينظر إليك

والكل متلهف إليك

‏يا أمل الشباب الدائم يا هبة الحب الغالية

‏إن كلمات هذه المرثية تلخص مكانة ستناي كواشة في المجتمع الفارس .

‏وفي نص أخر عن موت ستناي تبرز الأم المضحية بحياتها لأجل ولدهاء فحين

خرجت ستناي تبحث عن ولدها الذي يشارك في حرب طاحنة بعد أن رأت في الحلم ما ينذر بالشر وجدت أعضاء جثته متناثرة فأعادت جمعها ورتبتها في أمكنتها وفكرت, كيف أدفنه دون أن أغسله؟ ولما لم تجد الماء جمعت الندى عن الأوراق الخضراء وغسلت جسده ولم يبق سوى وجهه وعند ذلك وضعت وجهها على وجهه تنوح عليه غاسلة وجهه بدموعها وعندما غسلت عينيه فتح سوسروقة جفنيه ففرحت ستناي وأدنت شفتيها من شفتيه ففتح سوسروقة فمه وعندها اتنقلت روح ستناي إلى ولدها الذي عادت إليه الحياة وسقطت جثه هامدة . . .

‏وكما ذكرنا أن ستناي كانت المسيطرة وكانت تحتل المكانة الأولى في الملاحم الشركسية في وقت من الأوقات يتزامن مع سيطرة سلطة الأم ولكن توجب أن تتراجع وتخلي مكانها مع بداية سيادة السلطة والنقافة الأبوية.

‏وإذا كانت ستناي كواشة تشغل هذا الحيز الواسع في الأساطير فإن هذه الأساطير تفرد صفحات كثيرة لنساء أخريات تتمثل فيهن المرأة كمقاتلة منفردة أو ذات قوى خارقة ومن هذه النصوص تلك التي تحدثت عن الجميلة داخة ناغوة التي تمثل الجمال الصعب المنال والتي كان لها الفضل في تمتع النارتيين بالغلال الوفيرة كما حمتهم من الجفاف.

‏تقول الأسطورة أن داخة ناغوة كانت تعيش خلف الأنهار والغابات لا يستطيع أحد أن يقترب منها وحولها الكثير من الحرا س كانت ذات جمال باهر وذكاء متقد.

‏وتقول الأسطورة بأن كل من يحاول الوصول إليها كانت ترديه قتيلا حتى وصل عدد القتلى إلى 99 ‏قتيلا إلى أن تمكن أحد النارتيين من الوصول إليها بعد أن قتل وحوش الغابة والنسر والعملاق الحارس عند ذلك ظهر فارس مندفع كأنه على متن الريح وحين سقطت الخوذة عن رأسه ظهرت ضفائر الشعر المجدولة – كانت – داخة ناغوة – فيبادرها الشاب : أيتها الجميلة داخة ناعوة إني رسول النارتيين إليك !

‏تجيبه : أيها الفارس الذي تمنيت رؤيته دون أن أعرفه يا من انتظرته سنوات طويلة أهلا بك تفضل ولكنه يرفض عرضها ويعود إلى أرض النارتيين فتقام الأفراح لمدة سبعة أيام. كانت داخة ناغوة كما تقول الأسطورة تتمتع بقوى خارقة فحين يحل الجفاف كانت تنزل المطر وتعيد الصحو إذا شكا الناس من طول فترة البرد والمطر وبالإضافة إلى ذلك فقد جلبت الحظ للنارتيين

 

‏ومن الأسماء الأخرى أديوك الجميلة تقول الأسطورة أنها كانت تعيش مع زوجها بسه بدة في كوخ في أعالي نهر ينجج ولما كان زوجها رجل غزوات يجلب الكثير من الأسلاب فقد كانت أديوك في موعد عودته تمد ذراعها من نافذة الكوخ وعندئذ كان النهار يصحو إذا كان غائما وإذا كان الوقت ليلا تضيء ظلامه الدامس كضوء القمر فيعود بسه بدة مسترشدا بالنور من ذراع أديوك وبالإضافة إلى أنها كانت تنير الطريق أمامه كانت تنشر الظلام خلفه كما كانت تنشر جسرا من الكتان على النهر ليعبر من فوقه إلا أن زوجها وقد أصابه الغرور نسب لنفسه الشجاعة ومجد أفعاله وأغفل دورها واستهان بما تقوم به عند ذلك تقول له : ليس من أخلاق النارتيين أن يقفوا أمام امرأة ويكيلوا المديح لأنفسهم. فيخرج غاضبا وبعد رحلة أحاطتها المتاعب من كل جهة لأن ذراع أديوك الجميلة ما كانت تنير له الطريق وبعد كثبر من المحاولات الفاشلة يحث حصانه قائلا : إن أديوك الجميلة تنتظرهما فينطلق الحصان كنجم ثاقب وقفل بسه بدة عائدا يسوق قطيعا من الخيل وما أن خيم الليل حت انتشر ضوء في الأفق أنار طريقه ورأى أن ذراع أديوك الممدودة من نافذة الكوخ وقد انشر منها ضوء غطى الكون.

‏فلم يملك نفسه من القول : يا لقليلة الحياء عندما أيقنت من شجاعتي عادت تجلس خلف النافذة وما أن أتم كلامه حتى عم الظلام الكون وكانت أديوك قد سحبت ذراعها إلى داخل الكوخ وكانت نهاية بسه بدة بين أمواج نهر ينجج.

 

‏وإذا كانت قوة أديوك تتمثل في جمالها ذي القوى الخارقة التي كانت تتمتع بها فإننا في النصوص التي تتحدث عن باكوة وابنها تنرشاو فنحن أمام امرأة تتمتع بقوة جسدية هائلة تمكنها من دفع الزورق من جهة النهر إلى الجهة الأخرى ليستقله الفرسان النارتيون ويعبروا النهر.

وتقول الأسطورة أن باكوة لاحظت أن أحد هؤلاء الفرسان يتمتع بقوة جسدية كبيرة إذ يحمل الزورق بمفرده ويسنده إلى جدار البيت فتعقد العزم علي أن تنجب منه ولدا فينشأ كأبيه رجلا قويا ويكون عونا لقومها وتبادر إلى عرض الأمر على الفرسان وتطلب الزواج من رفيقهم

‏وتتعدد النصوص المروية في تفاصيلها ووايتها للحدث ومنها نص يقول أنها أطلعت كبار السن في القرية على ذلك وهكذا ولد ابنها البطل تترشاو الذي ينسب لأمه باكوة قوة تترشاو حيث نرى هنا أن المرأة هي التي أخذت زمام المبادرة وتصرفت وفقا لما كانت تراه أنه في مصلحة قومها .. وكثيرة هي النصوص التي تتحدث عن بطولات ابنها تترشاو.

 

‏ومن الشخصيات النسائية التي يرد ذكرها في أساطير النارتيين والتي يجمعها مع معظم الشخصيات صفات الذكاء والمعرفة والجمال أكواندة الجميلة ابنة أليج رئيس مجلس النارتيين ومجلس الموت فكما تقول الأسطورة أنها ما أن تلمح شباتينوقة قادما (وكانت تقدر على الرؤية لمسافة ثلاثة أيام) حتى تبادر أمها قائلة ضيف قادم هيئي الطعام وبحسب الأسطورة فإنها كانت على علم مسبق بأن شباتينوقة سيولد وأنها كانت تنتظر قدومه ولذا وإن لم يكن خبر مولده قد وصلها فإنها ما أن لمحته حتى تعرفت عليه وخرجت ترحب به ولكن شباتينوقة الذي كان قادما لإنقاذ ورزمج من القتل في مجلس النارتيين يرفض دعوتها ولكن نصوصا أخرى تخبرنا أنه يعود مرة أخرى بقصد الزواج منها.

 

‏وأما شخصية نارت سانة كواشة فإنها تجمع بين الحب والقوة والشجاعة تقول الأسطورة : في ذلك الزمن الذي كانت الحروب فيه لا تنقطع تزلزل الأرض بوقع حوافر خيل المتحاربين لم يكن الرجل وحده هو الذي يتصدى لمحاربة المعتدين بينما تبقى المرأة في البيت تحصر اهتمامها بزينتها وملابسها بل كانت تمتشق السيف وتتقلد السلاح وتخرج مع الرجال لصد هجمات الأعداء .

‏وبالقدر الذي كانت فيه أكف النساء تفيض رقة وعذوبة وهي تمسد جبهة الحبيب فقد كانت من القوة بحيث تقدر على غرز السيوف في قلوب الأعداء، وفي الوقت الذي يرسمن فيه على

وجوههن ملامح القوة والصلابة كي يخفين في قلوبهن مشاعر الحب اللاهبة وهكذا كان حال نارت سانة كواشة الجميلة التي تلوع قلبها بحب الشاب الوسيم زي العينين البراقتين كالنجوم ولكن السيف في قبضة يدها كان يجندل أقوى الفرسان وشعرها الحريري الأسود يتطاير في الهواء كلهيب أسود وفي لحظة انقضاض ينفرز سيفها في قلب أحد الفرسان وتصرعه. انحنت تنظر إل الجثة الملقاة على الأرض فانتفضت وكأنها تواجه الموت وصرخت بصوت مكتوم يقطع الأحشاء: يا لمصيبتي, إنه فقيدي أنا. وقذفت بنفسها من على ظهر الحصان. ويستمر النص في وصف لوعتها وندمها ودموعها التي تذرفها على الجثة الباردة.

غابت شمسي تقول نارت سانة وهي تمسك بقبضتها القوية القامة وتغرزها في قلبها فيسيل دمها مختلطا بدمه وتقول الأسطورة بأنه في هذا الموضع تفجر نبع نارت سانة الذي يشفي ماؤه القلوب العليلة ويعيد إليها الحيوية والنشاط وأن من يشرب من هذا يستعيد شبابه.

 

وبأسطورة نارت سانا نكتفي باستعراض هذه النماذج للمرأة في الأساطير النارتية التي تتقاسم فيها دور البطولة إن صح التعبير في معظم أحد اثها مع الرجل بجدارة واقتدار وفقاً للأعراف والعادات التي كانت المرأة هي الحامية والراعية لها بل المؤسسة لها كما في القرارات التي كان يتخذها مجلس الأمهات. ومجلس الأمهات من الأهمية بمكان إذ كان للنساء مجلس يدعى مجلس الأمهات وكان يرتاد هذا المجلس السيدات المسنات ذوات الحكمة والخبرة وبعيدات النظر ويناقشن المشاكل الحياتية والمعاشية لأولادهن ويتحاورن لتشريع العادات والتقاليد والقوانين الواجب إتباعها مستفيدات من خبراتهن وتجاربهن وما مر بهن وما سمعنه وما رأينه عبر سنوات حياتهن الطويلة وما زال الناس حتى أيامنا هذه يتناقلون العديد من الأقوال الدالة على بعد النظر والتي قيلت مجلس الأمهات المسنات ومن مقررات مجلس الأمهات القديمة والمعروفة إلى اليوم “يجب ألا يشتهي المرء ما يملكه غيره” ” ‏يجب ألا يأخذ أحد ما لغيره

دون إذن منه ” ‏وأيضا ” هم البطن سهل تداركه” وقد شدد المجلس في قراره على ميزة الصبر والجلد التي بجب أن يتحلى بها الناس في تعاطيهم مع مشاكل وأمور الطعام.

‏ومن دراسة النصوص المتعلقة بالمرأة في الأساطير النارتية تتبين مساهمة المرأة الإيجابية في شؤون الحياة الخاصة والعامة ونقف على ما كان لها من احترام وتقدير من خلال إسباغ صفات الحكمة والحزم والمعرفة بالإضافة إلى الحفاظ على الأعراف والتقاليد ومما يلاحظ في هذه النصوص :

  • الزواج الواحده فليس فيها ما يشير إلى وجود تعداد الزوجات عند النارتيين وقد ظلت قريبا قاعدة شبه سائدة لدى الشراكسة حسب الأعراف ما عدا بعض الحالات الاستثنائية.

‏   – لا يتم تزويج الفتيات دون موا فقنهن كما يترك للمرأة حرية الاختيار كما في النص الذي يتحدث عن وزرمج واستعادته ل بسه تن أخت ستناي من العملاق وحين عرض مجلس النارتيبن عليه أن يتزوج منه بسه تن أجاب إني أرغب في ذلك بالتأكيد ولكن هل لديها هي أيضا رغبة بذلك وعندما عرض الأمر على بسه تن أعلمتهم أنها هي أيضا تزغب في الزواج منه.

‏   – يلاحظ أيضا أن النارتيين كانوا يتزوجون نساء من غير النارتييين أحيانا وأم شوي من العمالقة وأم باترز من اليسب ( الصغار)ولكن لا نجد في النصوص أن النساء النارتيات تزوجن بغير النارتيين حتى في النصوص التي تتحدث عن العمالقة الذين خطفوا النساء فقد كانوا يفعلون ذلك لتدير شؤون حياتهم.

‏وفي الختام هذه الأساطير هي تاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا المفعمة بعبق التراث والأصالة يجب علينا قر اءتها وفهمها فهي الجذور التي تضرب بعيدا في أعماق التاريخ وتمد حياتنا بالصلابة والعزيمة لاستمرار بقائنا.

المصدر مجلة إلبروز (ليلى باكير)