القربان تقدمة من التابع على المتبوع من العبد على الرب وتختلف ماهية القربان با ختلاف أمزجة الآلهة فقد يكون رمزيا بسيطا أو تقدمة حيوانية أو نباتية يشكر من خلالها الفرد آلهته على شفاء ابنه أو على أي شي للخير ..وقد تكون التقدمة نوعا من ممارسة التعذيب الذاتي للجسد أو تقديم البكارة كطقس مقدس في المعبد ليرتفع مستوى الأضحية إلى تقديم القربان البشري على مستوى الجماعة لدرء غضب الآلهة أو لطلب تدخلها لحسم نتيجة معركة ..فميخا ملك المؤابيين يضحي بابنه البكر لتقوية انتصاره أما يفتاح فأنه يتعهد ليهوه بتقديم أول شخص يقابله بعد النصر قربانا وكان من سوء حظ يفتاح ان يقابل أول من يقابل ابنته الوحيدة او ربما هكذا رسمت مشيئة يهوه ..والإسلام أعلن رفضه الصارم للأضحية البشرية حين أخذ مبدأ عتق الرقاب تكفيرا عن الذنوب والموقف نفسه أعلنته الحنيفية الابراهيمية عندما قام ملاك الرب باستبدال اسماعيل بكبش سمين ورغم إصرارهم أن الأضحية المستبدلة هي اسحق إلا بني اسرائيل لم يتعلموا الدرس تماما واستمروا في تقديم القربان البشري ..وكان أولاد اسماعيل ان ينحرفوا عندما نذر عبدالمطلب حلا فساوم الالهة وتمكن من عقد صفقة استبدل بها ابنه عبدالله والد الرسول الكريم بمائة من الإبل وفي هذا يقول النبي “ص” انا ابن الذبيحين ويقصد اسماعيل وعبدالله ..شكلت الأضاحي والنذر مجموعة غنية في مثيولوجيا الشعوب وذلك بغض النظر عن نوعيتها أو كميتها واحتلت صفحات واسعة في حياتنا المعاشة كعيد الضحى أو تأتي لزيارتنا في مناسبات مختلفة مثل تلطيخ الباب بدم الضحية كعلامة تقرب إلى الله وعملية الختان ما هي غلا تقدمة رمزية لذلك..

في التاريخ الشركسي لانجد ما يشير إلى تقديم الضحايا البشرية ورغم أننا لانستطيع ابعاد مثل هذا الحدث كحقيقة وخاصة ان الشعب الماساجيتاي الذي قطن شرق القفقاس والذي تحدث عنه هيرودوت كان يقدم كبار السن الضحايا للآلهة وكان تشريف المسنين بتقديمهم قرابين لايوازيهم شرف إلا إصطفاء الآلهة لقربانه بنفسه عندما يرسل عليه صاعقته ومن المحتمل أن مجلس الموت عند الأديغة كان يقوم با ختيار قرابين بشريه تقدم على الالهة ..إن عادة تقديم الملوك في الشرق كضحايا كان حدثا هاما للتكفير عن ذنوب المملكة ولكن تحول هذه العادة إلى حدث دوري جعلت الملوك يلتفون حولها واصبحوا ينصبون أحد الرعايا ملكا رمزيا خلال الاحتفالات ثم يضحون به وبذلك تكون هناك ولادة رمزية جديدة للمجتمع .

لقد اعتنقت اليهودية فكرة الفداء (فمعظم الخطايا والآثام ذات الآثار المدمرة على حياة الجماعة مما يرتكبه الفرد يمكن غسله بسهولة وما على المذنب إلا أن يأتي بذبيحة إثم إلى الكاهن ليحله من ذنوبه وآثامه أمام الرب الذي يتقبل الذبيحة ويصفح عنه إذا أخطأ أحد وخان خيانة بالرب ..يأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه كبشا صحيحا من الغنم ذبيحة إثم للكاهن فيكفر عنه الكاهن أمام الرب فيصفح عنه في الشأن الذي فعله مذنبا به ).

وانتقلت هذه الفكرة إلى المسيحية (إن أول فكرة ثورية قامت على أساسها المسيحية تجسدت لدى المؤمنين هي أن قربانا واحدا عظيما متطوعا حمل كوسيط خطايا كل العصور وجميع بني  البشر مفتديا إياهم مرة واحدة وإلى الأبد ..لقد استخدم المسيحيون الفكرة القديمة الخاصة بكافة الأديان السابقة حول قربان الفداء الذي يدعو إلى التخفيف عن غضب الإله عند المسيحية تقوم على أن كل آثام البشر الموروثة من عهد أبيهم آدم تم تحميلها دفعة واحدة وإلى البد على كتفي قربان الفداء ألا وهو الموت الاختياري ليسوع المسيح وهذا القربان الطوعي خلص البشرية من الخطيئة.

تنوعت أشكال القرابين وتباينت بين بسيطة ومعقدة فإسالة وسكب النبيذ على الأرض أو النار من قدح تقديسا للآلهة تعتبر من ابسط التقدمات وكذلك إشعال وحرق البخور ..نعلم ان الأنغوش القفقاسيين كانوا يرمون في شعلة النار المنزلية بقرابين صغيرة قبل كل طعام .قد تتحول التقدمة إلى شكل آخر تماما يخرج عن المألوف (ففقر الهنود المدقع لم يسمح لهم بتقديم قرابين مكلفة لهذا كانت صغار الأشياء تقدم قرابين مثل التبغ وقطع القماش الصغيرة وما شابه ولهذا السبب أيضا انتشرت عادة تعذيب النفس كبديل عن تقديم القرابين) .

من خلال الممارسة الحياتية في التعامل مع القربان نكتشف أن القربان المثالي الذي يتوفر بكثرة وكان مقبولا دائما هو القربان الحيواني وخاصة الماشية منها فبديل اسماعيل كان كبشا وبديل عبدالله كان مائة من الإبل وآلهة الأوليمب كانت تتلقى قرابين من حيوانات بيضاء اللون أما آلهة العالم السفلي أو مملكة الموت وما تحت الأرض فكانت تخصص بحيوانات سوداء اللون وهذه الأخيرة كانت تحرق تماما ثم تطمر في الأرض ..ومن بين كل المواضيع نجد أن البقرة تحتل المكان المتميز في سلم القرابين وفي هرم الآلهة في صلاة مرفوعة إلى إيزيس ..البقرة هذه السيدة التي ينحني لها الهنود إجلالا وتقديسا وجدت لعبادتها صدى عند الآريين والتي عبدت في أكثر أصقاع الأرض والتي تشبهت بها الآلهة المصرية فتقمصتها ..لقد سرحت البقرة المقدسة بكل أبهتها في مسارح فينيقيا واليونان القديمة واقتاتت العشب في السهول الشركسية وهي تحمل رسالة خاصتها بها الآلهة(قام الإله زيوس بخطف فتاة بشرية هي أوروبة بنت ليبيا ولذا هب شقيقها قدموس “قدمة” لنجدتها وفي أثناء البحث طلبت الألهة إليه أن يتتبع أثر بقرة بعينها ذات مواصفات خاصة مقدسة  آنئذ قالت الالهة لقدموس إن عليه ان يتتبع أثر البقرة ويمشي خلفها وحيث توقفت في مكان ما فإن عليه أن يبني هناك مدينة مقدسة هي : طيبة ثم يقدم البقرة قربانا مقدسا للالهة أثينا ) في القفقاس نجد شقيقة توأم لبقرة قدموس هي : بقرة آخين حيث تتشارك الرواية الشركسية مع الرواية الفينيقية اليونانية في أغلب عناصرها الرمزية مما يدفعنا إلى البحث عن الجذر المشترك للبقرتين فآخين الإله يتزوج من امرأة بشرية رغم معارضة أهلها أي أنه يختطفها أما طقوس التضحية بالبقرة فتبدأ من لحظة المسير الآلهة تسير البقرة التي تقطع دروبا محددة حتى تصل إلى شجرة مقدسة تضطجع تحت ظلها على صبيحة اليوم التالي حيث يصوم جمهور المؤمنين عن الطعام والشراب إلى حين ذبح البقرة وتقديمها قربانا للآله آخين ..ولابد من الإشارة أن الطعام الجنائزي المقدم ما هو إلا قربان يخصص لأرواح الموتى من أجل استكمال رحلتهم إلى عالم الموت وتفاديا لغضبهم الذي قد يصبح مزعجا بحيث تبقى الأرواح عالقة في العالم الواقعي وتصبح زياراتهم إلى أولئك الذين لم يقدموا واجبهم نحو ميتهم زيارات مزعجة تحمل معها الأمراض والكوارث والآفات ..وربما كان القفقاسيون في غاية الكرم مع آلهتهم ولكن طلباتهم توازي كرمهم فالرعاة يضحون لشبلة غله البرق قبل توجههم إلى الجبال بالأكباش ويطلبون منه أن يحيهم ويحمي قطعانهم وإذا حدث  أن أصاب البرق حيوانا وقتله فإن صاحبه يدعو جميع سكان القرية ويعلق جسم الحيوان على شجرة وهو يرقص ويغني أغاني خاصة ثم يضحي هناك بكبش) والحدادون بدورهم كانوا بعيد ” سيوشو” حيث يدعو رئيس العائلة بالصحة والعافية لأسرته ويدعو لهم بأن يحفظهم الإله من الحوادث التي تسببها الآلات ويلقي في النار قطعا من الجبن البيض والباستة وكذلك من قلب القربان وكبده) ..وكان من عادة الأديغة إذا  سافر أحدهم في البحر فإن قريباته يذبحن أضحية ويلقينها في النهر ليحملها التيار إلى البحر وكانت الغيوم والرياح دليلا على قبول هذا القربان أو عدمه..ولقد استمرت لدى الشعوب جورجيا الغربية حتى وقت قريب عادة تقديم القرابين العشائرية في كل عام فكانوا يجزعون ماعزا أو حملا ويقدمون صلاتهم للإله من أجل خير كل العشيرة أما سكان أتسونا فكان كبيرهم بعد ذبح ذوات القرون يأخذ عصا علق عليها كبد وقلب مع كاس نبيذ ثم يتلو الصلاة ثم يأخذ قطعة من الكبد ومن القلب  ويسكب عليها الخمر ويضعها جانبا ثم يعلقون القرون على شجرة مقدسة ويأكلون ويشربون ).

 الأضحية والقربان والنذر موضوع طويل لتاريخ يمتد منذ أن غضب الله على قابيل بعد أن قتل أخيه هابيل عندما تقبل الله قربان هابيل ورد قربان قابيل إلى يومنا هذا

المصدر : بشار ابراهيم حلاو