أخذ سوسروقة ينمو بسرعة عجيبة . كان ينمو في يوم واحد بمقدار ما ينمو غيره في شهر وكانت ستناي تربيه فراشه الحجر ولحافه السماء وطعامه الصوان .

‏وعندما كان أترابه ما يزالون في المهد ، خرج ليلعب مع الصبيان في الشارع . وصار أولاد النارتيين الذين غذاؤهم العسل ونخاع الوعول يخافون منه  لأنه إذا غضب كان الشرر يتطاير من جسمه كما يتطاير من حجر الصوان .

‏ومع الأيام سئم سوسروقة ألعاب الصبيان وبدأ يتردد على محل حدادة لبش ويراقب عمله باهتمام . وذات مرة طلب لبش أن ينفخ له في الكير . ولما فعل طار سقف المحل وتناثرت قطع الحديد .

‏ولما رأى لبش ذلك فرح وقال في نفسه لا بد أن أعرف مدى قوة هذا الصبي فطلب منه الاقتراب من سندانه .

‏كان سندان لبش مغروزا الى أعماق الأرض ‏السابعة . وكان الرجل الذي يستطيع تحريكه يقبل في مجلس النارتيين بعد أن يعطى لقب { رجل نارتي }.

‏أمسك سوسروقة السندان وحاول تحريكه ولكنه لم يفلح . فحاول ثانية ولم يفلح . وحاول للمرة الثا لثة فلم يفلح أيضا .

‏وبعد ذلك قال لبش :

‏_ لا يا سوسروقة ما زلت فتيا ولم تكتمل قواك بعد . اذهب إلى ستناي واجلس بجانب الموقد واقضم الصوان .

‏كان سوسروقة يعرف أن الشاب الذي يستطيع تحريك سندان لبش يعدونه قد بلغ مرحلة الرجولة

‏لذلك عاد إلى البيت وقد أحزنه أنه لم يفلح في ذلك . وعندما لاحظت ستناي حزنه سألته :

‏_ ما ذا حدث؟

‏ولكن سوسروقة جلس بجانب الموقد دون أن يجيب بكلمة واحدة وأخذ يقضم قطع الصوان والشرر يتطاير من بين أسنانه .

‏وفي الصباح الباكر من اليوم التالي ذهب الى محل لبش قبل ان يأتي . وأمسك بالسندان وشده فحركه . يكفي لهذا اليوم _ قال لنفسه _ ونزل إلى النهر المتجمد ونام فوق الجليد ليبرد جسمه فذاب الجليد وجرى النهر .

‏وفي صباح اليوم الذي يليه ذهب ثانية إلى محل لبش قبل أن يأتي وشد السندان فخلعه ورماه أمام الباب وعاد إلى البيت . ولما جاء لبش لم يستطع الدخول إلى محله فاستغرب ذلك .

‏كان أقوى النارتيين يستطيع بالكاد تحريك سندانه . فقال وهو ينظر إلى السندان المخلوع : _ لقد ظهر على الأرض رجل لم يظهر مثله من قبل « بساتحه » يا إلهنا . . اجعله نميرا للخير ، وإلا سيهلك الكثيرين ، وستكون بداية حياته خاتمة لحياة الكثيرين .

‏وفي هذه الأثناء اقترب من باب محله إخوة نارتيون ثلاثة . سلموا عليه ودعوا له بالبركة في عمله .

‏وقال كبيرهم :

‏_ نحن الثلاثة ولدنا في يوم واحد . أنا في الصباح والأوسط ظهرا والأصغر مساء . كنا نحصد الحشيش نحن الثلاثة عند سفح التلال ونحن نتنافس في عملنا .

‏كان أصغرنا يغلبنا . إذا أوقفناه أمامنا لا نلحق به . وإذا أوقفناه وراءنا يلحقنا ولا يترك لنا ما نحشه لسرعته ومهارته . وقد أغضبنا ذلك نحن الأخوين الأكبر ين .

‏• من العيب أن يغلب الصغير الكبار_ قال لبش مازحا .

‏_ عند الظهر قلنا سنأكل شيئا ما ، وغرزنا مناجلنا في الأرض وذهبنا إلى الخيمة ، وبينما كنا جالسين نأكل ، وقع منجل أخينا الأصغر . ثم رأينا المنجل يجري وحده وهو يقطع كل ما يصادفه في طريقه من حشيش وأشجار وحجارة .

‏_ والآن _ قال الأخ الأصغر_ اتفقنا أن نصنع من هذا المنجل سيفا . ولكن من نصيب من سيكون هذا السيف . . ؟

ودون أن يجيب لبش بشي ء ، أخذ المنجل ونظر إليه فعرف فورا انه من صنع (دبتش) الذي علمه مهنة الحدادة . ولما تأكد ان الأخوة الثلاثة سيتنازعون على السيف الذي سيصنعه من المنجل قال :

‏_ من أجل السيف الذي سأصنعه من هذا المنجل سوف تتنازعون . ونزاع النارتيين معناه القتال . والقتال بين النارتيين ضياع للنارتيين . لذلك أنا أشير عليكم بما يلي

‏هذا سنداني ترونه أمام باب محلي ولا أجد طريقا للدخول . السيف لمن يستطيع أن يحمله ويعيده إلى مكانه ، هل اتفقنا ؟ .

‏_ اتفقنا _ أجاب الأخوة النارتيون الثلاثة بصوت واحد .

‏واقترب الأكبر من السندان وحاول رفعه ولكنه لم يستطع تحريكه . وعندما لم يستطع الأكبر تحريكه حاول الأوسط فحركه قليلا . وعندما لم يستطع الأوسط حله حاول الأصغر فرفعه قليلا من فوق الأرض .

‏_ لا , لا , أنتم لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا مع سندان هذا . لذلك لن يكون السيف من نصيب أي واحد منكم _ قال لبش .

‏_ ماذا نفعل . . ؟ كلامنا كلام رجال . لن يكون السيف من نصيب أي واحد منا _ قال النارتيون الثلاثة .

‏وفي هذه الأثناء كان سوسروقة يراقبهم . وبعد أن فشل الأخوة النارتيون الثلاثة واحدا بعد الآخر اقترب منهم وأخذ يستعطف لبش :

‏_ أرجوك أن تدعي أجرب .

‏فنظر إليه الأكبر بطرف عينه وضحك وكأنه يقول « وماذا تستطيع أن تفعل أنت ؟ » . وقال الأوسط :

‏_ تحاول ماذا ؟ . ما زال حليب أمك يسيل من بين شفتيك .

‏_ وماذا تجدي محاولتك أنت . من الأفضل أن تذهب إلى البيت وتحاول قضم رغيف الذرة . ودون أن يجيبهم سوسروقة بشي ء اقترب من السندان وأمسكه جيدا بين ذراعيه . كان الأخوة النارتيون الثلاثة يضحكون ويسخرون منه . ووسط ضحكاتهم

رفع السندان وحمله إلى المكان الذي كان مغروسا فيه وأعاد غرسه بأعمق ما كان من قبل .

‏واستغرب الأخوة الثلاثة ما رأوا، وأقسموا أنهم سيخبرون النارتيين بما رأوه . ويقول لبش وقد أرضاه موقف الأخوة النارتيين :

‏_ حسنا . حسنا .يا أخوة الثلاثة . .أرجو لكم طول البقاء إخوة ثلاثة وسيفا واحدا لا يغلب ، سوف أصنع لكم بمناسبة هذا الحديث العجيب الذي رأيناه اليوم ثلاثة سكاكين حادة ولكن من حديد أخر . ومن هذا المنجل الذي صنعه دبتش « تحه غليج » نفسه سأعمل سيفا وأعطيه لمن استحقه . أنا لا أستطيع ان أصنع كل يوم سوى سكين واحدة . ومن يصل محلي أولا فهي له .

‏وهكذا قام للأخوة النارتيين الثلاثة ، خلال ~ أيام ، ثلاثة سكاكين حادة . ولم يوفر جهدا في صنع سيف من منجل ( تحه غليج ) حتى أنهاه وعلقه على الحائط بانتظار تقديمه لمن هو أهل له .

‏كان سوسروقة جالسا بجانب الموقد يلعب بالرماد من شدة الملل : ولما وجدته أمه ستناي حزينا سألته :

‏• يا ولدي . لماذا أنت حزين هكذا ؟

‏_ إذا لم احزن أنا فمن يحزن ؟ لا صديق لي ولا زائر . حتى كلبنا العجوز يجد ما يعمله فهو على الأقل ينبح عندما يدخل غريب إلى الدار . أما أنا فإني جالس بجانب الموقد أمضي الوقت بتحريك الرماد . لا أعرف ما يعمله الناس ، ولا وسيلة لديّ لأعمل شيئا .

‏• يا ولدي ، يا ولدي الوحيد . أنت ما زلت صغيرا . ليس من المناسب أن يكون لك أعداء . واذا أردت أصدقاء وزوارا فمن أين لك . . ؟ إنني أنظر بين النارتيين فلا أرى واحدا يمكن أن يكون ندا لك . فهم رجال كبار واهتماماتهم غير اهتماماتك وليس بينهم شاب في مثل سنك يمكن ان يكون نعم الصديق لك ولا يجلب لك العار إذا صادقته .

‏• يا أمي ستناي • قال سوسروقة • ليس الصديق الذي أريده هو من تقصدين . أنا أريد صديقا لاينثلم عند الطعان ولا يجبن في مواطن الضيق . وما أريده هو سيف وحصان

‏وفرحت ستناي لهذا الكلام وذهبت إلى محل لبش :

‏_ لقد أخذ ولدي يضايقني . يقول أنه يريد أن يرى العالم . ويطلب مني ان أوصي بصنع سيف له وأن أدبر له حصانا . وأنا أعتقد انه ما زال صغيرا لحمل السيف وركوب الخيل .

‏_ لا ، أيتها السيدة ستناي . أنت مخطئة _ قال لبش معترضا _ هذا أوان فتوته إذا

‏كان صغير السن بمظهره فهو رجل بقلبه فليمارس رجولته ولا تعترضي سبيله . عادت ستناي وقالت لسوسروقة :

‏اذهب إلى لبش فهو يناديك .

‏قفز سوسروقة من الفرح وجرى إلى لبش , وما أن دخل محله حتى بادره مازحا :

أي نوع من السيوف تريد؟

‏_ آنا أريد سيفا لا هو بالطويل ولا هو بالقصير . يهابه العدو البعيد ويجندل العدو القريب قاطعا إذا ضربت مخترقا اذا طعنت _ أجابه سوسروقة .

‏ اذا فهذا السيف سيكون كما تريد _ قال لبش ، وتناول السيف الذي كان قد

‏صنعه من منجل تحه غليج وأعطاه السيف .

‏_ وما تريد أيضا؟

‏_ لا أريد شيثآ آخر سوى حصان أنطلق به _ قال سوسروقة .

‏إذا أردت حصانا فاذهب إلى أمك _ قال لبش _ فعندها حصان جيد ، اطلبه منها وستعطيك إياه

‏عاد سوسروقة والسيف معلق إلى جانبه ، ولما رأته ستناي قالت

‏• أعرف يا ولدي ماذا ينقصك الآن . إذا رأى لبش أنك تسحق سيفه فمن الممكن ان تصير رجلا يذكر اسمه بين الرجال . تعال معي فقد ربيت لك حصانا .

‏وأخذت سوسروقة معها إلى الكهف وقالت له :

‏_ هنا يا ولدي . إذا استطعت ان تزيح هذه الصخرة . وإذا استطعت أن تدخل

الكهف ستجد حصانا . وإذا استطعت أن تركب هذا الحصان فسيكون لك نعم الحصان .

‏أزاح سوسروقة الحجر عن باب الكهف دون عناء ودخل فصهل الحصان وأخذ يحفر الأرض بقاثمتيه الخلفيتين . وأخذت الجبال تهتز لضربات قائمتيه . . . حاول سوسروقة أن يقترب من الحصان عن يساره فلم يفلح . وحاول أن يقترب عن يمينه فلم يفلح . كان يقفز ويضرب بقاثمتيه

‏وعندما رأت ستناي ذلك حزنت .

‏_ يا ولدي ، انه يفعل ذلك لأنه لا يعتبرك رجلا _ قالت ستناي وعندما سمع سوسروقة ذلك غضب وبقفزة واحدة أصبح فوق ظهر الحصان فطار من تحت الأرض .

‏_ يا يوم نحسي سيقتل ابني الوحيد _ قالت ستناي _ . أما الحصان فقد اختفى مخترقا الغيوم وسوسررقة على ظهره . وعادت ستناي وجلت في البيت وقلبها يتقطع . ماذا كان بإمكانها ان تفعل . . . وأخذ الحصان سوسروقة إلى ما بين الغيوم ونفضه عن ظهره . وعاد الى الأرض ووقف على خلفيتيه محاولا ان يرميه ولكنه لم يفلح . وأخذه إلى الوديان التي لا تستطيع أسراب السنونو أن تصل إليها ولكنه لم يستطع أن يرمي سوسروقة عن ظهره . وانطلق به من جديد حتى وصل إلى ملتقى بحار سبعة وقفز في الماء يسبح مخترقا البحار ذهابا وإيابا ، لكن الحصان لم يستطع أن يرمي سوسروقة عن ظهره . وبقي الحصان يجري سبعة أيام بلياليها وسوسروقة على ظهره ، وتعب الحصان . وعندما وقف منهكا قال له سوسروقة :

‏هيا يا من أكلتك الكلاب . إذا كان وقت لعبك قد انتهى . فان لعبي يبدأ الآن . ولكن الحصان لم يحرك ساكنا . ضربه بعقبيه ولكنه لم يتحرك .

‏فغضب وضربه حتى حطم عليه سبعة عصي من السنديان عند ذلك انطلق الحصان وقال :

_ وربي « أمش » لن أعصى لك أمرا بعد اليوم . إذا كنت رجلا فسأكون لك نعم الحصان .

‏_ إذن هيا انطلق نحو البيت _ واتجه نحو البيت . وعدما رأت ستناي سوسروقة الذي أوقف الحصان أمام الباب استقبلته مهللة :

‏_ يا ولدي ، كنت جالسة أبكيك .

‏_ لا يا أمي ، لا تبكي علي . بل حضري لي زاد ا قليلا خفيفا ، طيب المذاق ، ويكفيني . أريد أن أسافر ، أظن أنه قد حان موعد رؤيتي للعالم . قال سوسروقة وهو يبتسم لأمه .

المصدر :  (ملاحم نارت الشركسية)