هو مولانا وسيدنا العريق الأصيل، صاحب المجد الأثيل، والمكارم العميمة، والألطاف الغزيرة الجسيمة، الذي كان له من شهرته بالأكرمية أوفى نصيب، ومن السماء تنزل التسمية والتلقيب فهو الكريم ابن الأكارم، والعظيم ابن الأعاظم، كان والده الشيخ محمد بن كريم الدين بن الأكرم، في أواخر دولة الجراكسة أميراً من أمرائهم، وكبيراً من كبرائهم )انظر محمد بن كريم الدين(. نشأ ولده هذا أحمد شهاب الدين سالكا في طريق أرباب العلوم، باحثاً عما يبحثون عنه من منطوقٍ ومفهوم، فدّرس بالمدرسة الجقمقية بدمشق المحمية، شمالي جامع بني أمية، ودّرس آخراً بالمدرسة المقدمية الجوانية. وكان الشهاب هذا ساكناً بمحلة القيمرية، في بيوت ابن الحارة. ثم عنّ له أخراً أن يسكن بالمدرسة المقدمية المذكورة لأنه كان ُيدعى الشهاب الأكرمي، هذا لأن تدريسه بالمقدمية كان عن وراثة وشرط واقف، وأنه من الذريّة. وأظهر على ما ادعاه عدّه تمسكات. وولده محمد مدّرس بها اليوم بالمشروطية أيضاً. فلما ثبت تدريس المقدّمية بيد الشهاب المذكور، شرع يعمّر لنفسه وأولاده بها مسكن، لأنه لم يكن مالكاً في دمشق بيتاً، لكون بيوتهم كانت بمحلة العنابة كما سبق ذكره، فغير صيغتها في الجملة كما في كتاب الوقف الذي بيده، أن المتوليّ على الوقف من الذرية يتصرف في ذات المدرسة وفي أوقافها وجهاتها كما يريد. وكان تغيير الصيغة المذكورة في زمان قضاء مولانا أحمد أفندي الأنصاري. فسمع بتغيرها فأرسل نائبه مصطفى أفندي، وهدم منها ما ثبت أنه تغيّر عن الترتيب السابق. وقد حضرتُ الكشف على البناء المذكور، ورأيت ٌصناع البناء وهم يهدمون بعض جدرانها. والشيخ أحمد المذكور يلومه في ذلك ويقول له: اصبر. تأنَّ يا مصطفى أفندي… وهو لا يبالي بذلك. ثم دخل الناس بينه وبين القاضي المذكور فرضي أن تكون العمارة المذكورة وقفاً على المقدمية أيضاً، يتصرف فيها من يأتي بعده من المدّرسين والمتوليّن كما يتصرفون في بقية أوقافها. وُكتب بذلك تمسك شرعي. وُشرع في البناء كما أراد ثانياً. فعمر بها قاعة داخله وقصراً منيفاً على دهليز المدرسة. وفعل ما فعل وسكن بها مدة دون السنة. وكان في نفس الأمر من عجائب الدنيا، لأنه كان مع هذه الصفة التي وصفناه بها من العلم يتزيا بزي أكابر العلماء والرؤساء. وكانت له همة عالية.
ومن لطائفه أنه كان حاضراً مرّه في جمعية عرس. وكان حافلاً جامعاً للعلماء وغيرهم فقرأ الشيخ بعث الله الأعمى المصري، قارئ الموالد بدمشق، قوله: فظهرت أنوار سيدَ المرسلين، بنصب سيد المضاف إليه، مع وجوب خفضه. فقال الشيخ يوسف العلموي : أنوار سيد المرسلين، بجر سيدّ، لكونه مضافاً إليه، والنصب لحن من القارئ. فقال له الشيخ أحمد صاحب الترجمة: اسكت الفظ سيدّ هنا منصوب على العظمة. وسمع ذلك غالب الحاضرين من العلماء وكان ذلك سبباً لانبساط نفوسهم وذهاب كدرهم وبؤسهم فسماه علماء عصره بعد ذلك: المنصوب على العظمة. وكان مع ذلك من أكرم الناس نفساً، له مكارم أخلاق وافرة، وتجملات فائضة متكاثرة، مع الحشمة الزائدة والأنفة المتزايدة. وكان قد تولى الخطابة بجامع السلطان سليم بصالحية دمشق فلما وضع رجله اليمنى على الدرجة الأولى سقطت وساخت تحت رجله وُسمعت لها صوتٌ عالٍ سمعه كل من بالمكان. وتحدث الناس بذلك، واشتهر وانتشر، حتى كان ذلك سبباً لانفصاله من منصب الخطابة. فنظم كل واحد من فضلاء دمشق في ذلك أبيات يخبرون فيها بالواقعة، فمنهم السيخ شمس الدين ابن المنقار، فإنه قال في ذلك شعراً:
ُخسِفَ الجامع السليمِيُّ لما حل فيه الخطيب جهلاً بشاشة
وغدا قائلاً وينشد جهراً هدني جهله وجرُّ قماشه
ومثل ذلك لا ُينقص مقداره، ولا يطفئ أنواره، فما زالت الأشراف تهجي وتمدح. ولقد رأيت عجيبة من الشهاب أحمد المذكور. وذلك أن قاضي القضاة أحمد أفندي الأنصاري المذكور طلب منه أصل كتاب الوقف الذي يتعلق بالمدرسة المقدّمية فقال له: سأحضره. ثم حضر إليه بعد أيام. فقال له: أين كتاب الوقف؟ فقال له: يا مولانا، لنا قريب ُيقال له الشيخ أبو البقاء، وهو مجذوب في الجملة، وكان كتاب الوقف عنده، فوضعه في إناء به قَطْرٌ نبات. فلم يزل في الإناء حتى امتزج بالقطر وصار بمنزلة التُفاح الذي يتربى في القطر فكان يأكل منه كلَّ يوم حصة حتى أتى على آخره أكلاً. فهو في باطن الرجل المجذوب. وما عنده إلا نسخ منقولة من أصل كتاب الوقف المذكورة الذي صار ممتزجاً بالقطر. فضحك القاضي من هذه القصة.
وكان رحمة الله تعالى كريم الأخلاق جداً، كنت جالساً عنده في الحجرة الحلبية التي كانت سكن الشيخ بدر الدين الغزّي، في الجانب الشرقي من جامع بني أمية. وٌأذن لصلاة العصر وُأقيمت الصلاة فقلت له: يا مولانا قد أقيمت الصلاة، أفلا نطلع إلى الصلاة مع الجماعة؟ فقال لي: اسمعْ، الشيخ إبراهيم قفّة المؤذن يشتمني ويدعو عليّ، وهو يظن أني لست بالحجرة فإن طلعنا في هذا الوقت رآنا فيحصل عنده حجاب، فالأولى أن نصبر إلى أن يذهب ونصليّ بعد ذلك مع الجماعة الثانية. فقلت له: يا مولانا هذا غاية مكارم الأخلاق. فقال لي: هو رجل كبير الأولى الإعراض عن ما يصدر منه مطلقاً واتفقت لي معه في ذلك المجلس لطيفة. وهي أن الشيخ إبراهيم ابن شيخ الإسلام البدر الغزي حضر عنده في الحجرة المذكورة فجاء يجلس من تحتي فجذبته من كمّه وأجلسته فوقي. فنظر الشيخ الشهابي المذكور وتبسّم وأنشده:
وأكرمُ أحداقَ الحدائقِ منشداً لعين تجازي ألف ُعين وتُكرم
كأنه يشير بذلك إلى أن إكرام الشيخ إبراهيم المذكور لأجل والده شيخ الإسلام البدر الغزي. ولما هدم القاضي أحمد الأنصاري البناء الذي أحدثه في المدرسة الجوانية غير عمامته البيضاء الحسنة بعمامة من الصوف المسمى بالمئزر، وترك شعر رأسه، وربّى له ذوائب من الشعر الأبيض وكانت بارزة من جانبي رأسه. وكل ذلك من صلاحه وعدم تقيده باصطلاح الناس. فرحمة الله رحمة واسعة. توفي رحمه الله في سنة ثلاث وتسعين وتسع مئة، ودفن عند تربة أبيه بمرج الدحداح في الجانب الغربي من قبر أبي شامة

المصدر: تراجم الأعيان من أبناء الزمان 1024/ 1615 الحسن بن محمد البوريني